“الحرية هي الشئ الوحيد الذي يجعلك تشبه نفسك” إبراهيم نصر الله

حين خلق آدم وأخطأ وترك ملكوت السماوات؛ ليمارس دهشته وتيهه وجزء من عقابه على هذه الأرض امتلك حرية ألهاه عنها انشغاله بخطيئته وحيرته في عالمه الجديد الذي صار فيه خلاقا، ولو بشكل محدود على الأقل مطالبا أن يجتهد ليعيش.

حينها امتلك آدم زوجته، وما أستأنس به من الطبيعة، ومن مناجاة الله ومن أفكاره. كان آدم حرا أكثر. باتساع الحياة قليلا وكثرة عدد البشر قليلا، لم يملك الخلق دستورا ثابتا لحياتهم، ملكوا فطرتهم، ومحاذيرا حرم عليهم الاقتراب منها، ملكوا فكرة عامة، وتركت لهم التفاصيل.

أريد أن أقول: إن تقدم الحياة بالبشر، لم يكسبهم حريتهم، بل على العكس، تمادى في سلبها منهم، وهم يبتسمون متوهمين أنهم امتلكو أنفسهم.

خبرات الأجيال أو كبسولة الحياة

مع تقدم البشرية وتكون المجتمعات بدأ البشر يأنس بعضهم ببعض، ويتآلف بعضهم، ويتنافر آخرون، ويضعون قواعد لحياتهم، منها: ما هو إلهي، وما هو بشري تنظيمي.

اكتسبت قوانينهم هالة من قدسية، وتخالط ما هو من نور الله بما هو من نزغ الشيطان، وصارت تلك عاداتهم، أو ما وجدوا عليه أباءهم. أنقص البشر حريتهم بأيديهم واقتطعوا منها قطعا بفئوس الاستقرار والمصلحة العامة، وأمن الجميع، وما إلى ذلك.

أصبحت تميمة المرحلة لا ممارسة الحياة، بل تجنب التيه بوضع قدمك على قدم من سبقوك، ولكن على الأقل ترك ما للمجتمع للمجتمع، وما لروح الفرد له. صار آليا في ظاهر الأمر محتفظا بقليل من حقيقة روحه. في تلك المرحلة وصم من أصر على أن يمارس الحياة ـ لا أن يحفظ طريقتها ، بوصمات شتى: كالزندقة والتجديف والسحر.

صار الفكر عدوا باقتدار.لأعترف أنه من الجور أن أصيغ جملي السابقة بصيغة الماضي فبلادنا تلك لا تسقط عللها بالتقادم.

حين شوهنا باعتناق الجمال

يهيأ لي أن الإنسان الأول حين نسج الحكايات، وقلد أصوات الطير، فألف الموسيقى، واندمج في الطبيعة، فمزج بين الألوان، كان غرضه من كل ذلك هو الأنس؛ أن يفرغ ما فاض من روحه؛ ليأنس به الآخرون وليأنس بهم. الفن بالنسبة لي هو الحياة من منظور الفنان أن يهديني أحدهم عينيه لأنظر بهما في الملكوت. لا أن يرسم لي كل التفاصيل فأصبح أحيا بذات الفنان عوضا عني.

والآن أخبرني أنملك ذواتنا حقيقة، أم أن صناع الجمال شاركوا في صبغنا بالقبح الذي نحن عليه؟ أتركت لنا حرية الذوق أم أن ذوقنا الخاص أصبح مزدريا بتهمة إفساد الذوق العام؟ هل تملك معيارا خاصا للجمال؟

قبل أن تجيب ركز قليلا؛ أليس الأسهل أن تسرد لي تلك الصفات المثالية للجمال، أقصد الصفات التي حدد المجتمع أنها الجمال. أصابنا المجتمع ذو الوجه الجليدي بالجمود. حدد لنا كيف نغضب، كيف نحب، كيف نمشي، كيف نأكل، و نفض عنا كل ذرات الحرية التي علقت بأرواحنا. تلذذ المجتمع بمراقبتنا ونحن نتحول مسوخا، وولوا علينا مسوخا آخرين، وزعوا بينهم صكوكنا: فذاك امتلك صك الغفران، وذلك صك الفكر والثقافة، حتى الثورة تلك التي صنعناها حين تلمسناها في أنفسنا ـ حسنا ـ جاء إلينا أحد أباطرة القبح ليتولى صكها.

يرعبني ذلك السؤال الذي يترصد بي، مدى حقيقية أي شيء؟ هل امتلك ذلك المجتمع شيئا حقيقيا يوما؟ دينه وتدينه ظاهري لا مراء عندي في ذلك، قيمه متناقضة، يعلق مشانق العيب والحرام هنا وهناك يقتل الحلم بلا هوادة ويستدعي حلمه عندما يبطش به الظلم، يمتلك مشاعرا عاجية وأعينا زجاجية ولا يملك قلبا قط.

ما زلت أرتعب كلما مر بي وجه كنت أعرفه وقد كساه العاج عن يأس أو عن عجز أو عن عمد. يا الله لا أمل في إصلاح ما، فقط يا رب إن جاء وقت ارتدائي لقناعهم البغيض فاقبضني بوجهي ذاك الذي أحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, الحياة
عرض التعليقات
تحميل المزيد