لأننا بشر خطائون لا ملائكة مُسيرون للصواب، غالبًا ما نقع في الخطأ بكل سهولة ويسر، ليس المقصود بالخطأ هنا اقتراف الذنوب، بل الأخطاء العادية النابعة من كوننا ناقصين لا نقرب الكمال في شيء، مجرد أخطاء بشرية طبيعية جدًا لا تؤثر على أحد بالإيجاب أو بالسلب، في الحقيقة هى أخطاء لا تؤثر إلا على مُحدِثها نفسه ووحده.

غالبًا يبدو إصدارنا للأحكام على غيرنا أمرًا عاديًّا يحق لنا فعله بكل حرية، بدافع الحب، أو الكره أو لعله الملل، لا يهم بأي دافعٍ نصدر الأحكام المهم أننا اعتدنا فعل ذلك دون النظر لصلاحياتنا البشرية المحدودوة جدًا. مثلًا يمكن أن تجد أحدهم يجهل تمامًا كيفية الحكم على نفسه وعلى أشياء تخصه لكن رغم ذلك يمكنه أن يرى نفسه فيلسوفًا في إعطاء الأحكام على كل شخص في الحياة.

في الواقع إن الأحكام البشرية ليست إلا سلسلة من حلقات ضعيفة هشة، نستخدمها غالبًا لنواري سوءتنا، شيئًا ضعيفًا داخلنا لا نحب أن يراه أحد أو شعورنا بأننا الكون الذي يجب أن يلتف الناس من حوله. لكن الأهم أن بعضًا من مُصدري الأحكام العبثية على الناس لا يرون أن المشكلة تكمن فيهم بالأساس وتأخذهم ظنونهم إلى نقاطٍ بعيدة المدى حتى لَيؤمنون بأن أحكامهم صحيحة لا تشوبها شائبة، وكأن العالم كله بشعٌ سيء إلا هم!

قد تجد من يظن في نفسه أن فلانًا غبيّ، أو سخيف، أو عدوانيّ، أو مغرور ثم يبدأ في التعامل على هذا الأساس. يبدأ في سيلٍ من التجاهل والأحكام المتتالية ليس لسببٍ واضح إلا أنه رأى ذلك بعيونٍ مغلقة تمامًا. لن نحاول التعامل مع شخص نراه مليئًا بالعيوب، لأننا نرى تلك العيوب بمخيلتنا لن نحاول أبدًا البحث في أمرها وتبيُّن حقيقتها، بل سنصدر المزيد على ذات الأسس ونمضي كذلك، لا يهم إن كانت أحكامًا عادلة أو ظالمة.

يمكن الجزم بأن كل إنسان على وجه الأرض سقط في فخ الأحكام العبثية، بل وتأخذنا أنفسنا إلى مرحلةٍ أبعد حيث نصل إلى الأحكام الظالمة المملوءة بسوء الظنون. بمجرد أن نصدر حكمًا واحدًا لن نكف عن ذلك أبدً. دائمًا هناك ذلك الصديق الذي يجتمع العالم في البدء على كونه مغرورًا متعجرفًا لا يطاق ليكتشفون بعد فترة أنه أبعد ما يكون عن هذه الوصوف والأدهى أنه قد يكون التواضع على قدمين!

لو أن كل إنسان يحب أن يعامل الآخرين فكر فقط في أن يحاول محاولة بسيطة للعثور على خيط الحقيقة الذي يفصل بين الحكم الأعمى والحقيقة المجردة، محاولة لن تكلف شيئًا على الإطلاق بل إن العثور على إجابة واحد زائد واحد لتكلفك عناء عن تلك المحاولة.

الواقع يُرينا كذلك أن من يُحكم عليهم بأحكام هى أبعد ما يكون عن حقيقتهم، غالبًا ما يخبئون شيئًا لا يحبون أن يراه من حولهم، تمامًا كمُصدري الأحكام. المحكومون بالأحكام الظالمة يخفون ما يجعل لهم أفعالًا قد تبدو مزعجة عند انطباعك الأوليّ عنهم. ما يجعل منهم مظلومون كُثر.

وكما يقول عم رفعت إسماعيل -بطل د. أحمد خالد توفيق- «إن من يخدع الآخرين هو -ببساطة- شخص يملك نقطة ضعف»،  من يحكم على غيره في الحقيقة يخدع الآخرين عندما ينشر الشائعات عن كون فلان كذا وكذا، قد يكون هو صاحب المشكلات التي يصف بها غيره. كذلك من يتظاهر بشيء عكس حقيقته يخدع الآخرين حتى لا يرون معاناته التي يحاول إخفاءها ولا يحب أن يُصرح بها.

في هذا العالم وهذه الحياة كلنا يعاني شيئًا لا يحب الإفصاح عنه، وكلنا كذلك نكره أن نكون ضحايا الأحكام البشرية الساذجة. لنحاول تجنب إصدار الأحكام دون أسس، رُبما يمكننا في يومٍ ما بلوغ تلك النقطة التي نتوقف فيها عن الحكم على أي أحد إلا نحن، أنفسنا فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة