«إنها أكثر من سكندريتنا، إنها سكندريتنا التي صنعناها». *هاري تزالاس

قد تولد في تلك المدينة الجميلة التي يقولون عنها الإسكندرية، وقد تغترب فيها وتموت فيها عشقًا وهيامًا، لكن لا بد أن تفيق في لحظات الثورة، أو الحروب، أو الانتصار في معركة تاريخية، قد تترك نفسك في بحر من البحور لتلدغك نسمات الهواء اللطيفة في تلك المدينة الساحلية، وقد تسلبك بمقاهٍ وأغنية «يا شط إسكندرية». مقالتي مختلفة، ولن تكون في السياسة، ولا الأحوال الاجتماعيه، بل عن مدينة الإسكندرية، وتلك الهالة المقدسة التي صنعها أبناؤها عنها وشعراؤها المحبون، هل هي فعلًا هكذا؟ أم أنها حنين لماض سحيق يجب أن يفيق منه أبناء تلك المدينة. أم مثل القاهرة التي حصر أبناؤها جمالها في شوارع المعز والكباري، فانبهروا بتلك الشوارع والميادين، لكنها لم تكن إلا قاهرة لأهلها.

1- انتقام المدينة من أهل القاهرة

دائمًا كان هناك صراع بين المدينة الأم ومدينة الإسكندرية، صراع خلده الهدوء الذي أنعمت به المدينة على الطبقات التي عاشت دائمًا في جو الفن الهادئ، الهاوي أحيانًا في رغد المعيشة، وأحيانًا أخرى في العيشة متوسطة الحال. سقوط القاهرة في فخ البحث الدائم عن الوجود، تحول إلى فكر واعتزاز هش صاحب أهل تلك المدينة من تاريخية المدينة، وقدمها منذ وجودها.

2- جغرافيا السينما في الإسكندرية

أخذت السينما تسلط الضوء على شوارع الإسكندرية، خصوصًا فيلم «ميرامار» لكمال الشيخ و«السمان والخريف»، والذي دار في فترة الستينات في شوارع المدينة العظيمة، مثل وسط البلد، ومبانيها ذات الطراز الإيطالي، وأفلام البحر والمصيف والاستجمام التي بحثت عن فندق سان «استيفانو».

3- وسط البلد والباحثون عن الطموح

قد تجد نفسك تسير فيه بلا اهتداء لأي طريق، تريد أن تعود لأصله لكنك في حاضره تموت في ماضيه، وتترك الحاضر بكل ما فيه، فوسط البلد هو شوارع المال للمصريين والأجانب، وتلك المدينة التي حملت أسماء أجانب لمحلات كبرى فيما بعد، حتى هذه اللحظة. عيادات الأطباء سكنت تلك الشوارع، والمرضى كان لديهم أمل في شفاء قريب حين يدخلون وسط البلد، كانت هذه الشوارع تحمل معنى انتماء للبلد، تجدها أرضًا خصبة للاختلاف الثقافي وقبول الآخر، بكل ما يحمله من اختلاف ديني وثقافي. نعرف أن لكل عصر أوانه ورائحته الزكية.

نعلم دائمًا أو أبدًا أن في كل عصر هناك الجيد وهناك غير المقبول، هذا ما حدث مع منطقة وسط البلد، أصبحت منطقة شعبية استهلاكية بعد أن تغيرت المحال وأنشطتها. رحل الأجانب وسكنت تلك الطبقات الشعبية في شوارعها؛ فأبادوا تقدمها ونظافتها ليحتلوا أرصفتها دون قانون رادع ينقذ هذا الحي الجميل من براثن الغزو الحضاري الجديد. فيضرب القانون بيده على الفقير لتأتي حملات الردع، فيذهبون إلى بيوت وسط البلد للاحتماء من قبضة شرطة البلدية بوصفها خنادق في وقت حصار المدافع. فالبضاعة الرخيصة المزيفة سلبت كل الروح التي كانت دائمًا حريصة على جودة المعروضات الحديثة الأصلية المصنعة في مصر. لقد انتهكت المدينة وشاخت منطقة وسط البلد جدًّا لمن يعرفها.

4- الشعارات.. من الخفة والبلاغة إلى التدين الشكلي

في عقد الثمانينات كانت هناك أوراق لشعارات انتشرت في حوائط وجدران مدينة الإسكندرية مكتوبة بخط جميل وماهر بتوقيع جمال الدولي، وكانت سياسية جدًّا في زمن كانت الديمقراطية فيه ممنوعة وغير مباحة، فاعتقد الأمن أنها مجموعة متخفية تكتب على الحوائط، فكان تطلى ثم يأتي ليكتب عليها مرة أخرى جملًا أخرى، وذات مرة كتب «أنا بحب ليلى علوي» و«متر الوطن بكم؟» يحدث الوطن بحبه، ويحدث كذلك ليلى علوي، والاثنان لا يقبلان حضوره في وطنه أو حبه.

ومع مرور السنوات وحتى بداية التسعينات اشتهر جمال الدولي في أوساط نادي الاتحاد، وفي إحدى مباريات كرة السلة لم يحب الجلوس مشاهدًا فخلع ملابسه كاملة ونزل إلى الملعب، في مشهد أذيع على الهواء في التلفزيون. لم يرد أن يكون مشجعًا مجهولًا فانطلق، رغم القصة المضحكة التي رويت عنه.

اختفت عبارات جمال الدولي لتظهر عبارات التدين المظهري الشكلي مثل «الحجاب يا أختاه»، «قاطعوا البضائع الأمريكية»، وتحولت العبارات الثورية إلى تهم بعد أن كانت مظهرًا من مظاهر التحدي.

5- القراءة والبحر

لا توجد مقالات تستطيع أن تحكي عن القراء الذين يعشقون القراءة أمام البحر في تلك المدينة الساحرة، أظن أن أكثر مكان يقرأ فيه الناس هو أمام البحر، لأنه محرابه الذي يشعر أنه أمامه يناجي الله ويتقرب منه، لا تستغرب علاقة القارئ والكاتب ببحر مدينة الإسكندرية. فهي المدينة التي تحوي بحرًا وقارئًا يجلس أمامه في نوع من الفضفضة والارتياح لطبيبه النفسي.

6- مقاهي المثقفين

تلك المقاهي محراب المثقفين، من ضمنها مقهى (كريستال) فتاريخه يرجع للأربعينات، كان مكانًا مفضلًا للروائي إدوار الخراط وغيره من مثقفي القاهرة، فيه وزعت ورقة عزاء والد توفيق الحكيم، كان الرقي يحكم تلك المنطقة، حيث الفتيات من طالبات كلية الفنون الجميلة يدخنّ سجائر رخيصة، بجانب نسوة مطلقات يجلسن مع المحامي الخاص بهن في قضايا النفقة.

ثم تغير الأمر في التسعينات، فالشباب من الجنسين يتجمعون في المقهى، منهم من طبقات مختلفة لم يجدوا مكانًا يقتلون فيه الوقت، هذا إلى جانب المهتمين بالفنون، هذا بجانب الذين يلقون همومهم إلى البحر بشرب القهوة وسيجارة، يبتلعون أنفاسها دون انقطاع ولا انتظار من الهواء أن يبتلعها. هذا لم يتغير عزيزي القارئ؛ فروح المدينة في مقاهيها.

7- أناقة الزجاج

في الخمسينات والستينات في تلك المدينة الساحرة لعب الزجاج دورًا ساحرًا في واجهات العمارات. ثم انتهت الواجهات الزجاجية في التسعينات بتوحش الأنظمة الأمنية على أبواب وشبابيك الأغنياء. يقول علي باشا مبارك عن حال تلك المدينة قبل دخول الزجاج وبعده، قديمًا كانت تبنى المشربيات، ويوضع عليها في الداخل ورقًا مقوى فكانت تكثر الأتربة. فالحال تغير وصنعنا شبابيك زجاجية وخشبية.

8- الماضي الذي لا يريد أحد مضغه

كان هناك ماضٍ لا أحد يحبه أو يستسيغه لتلك المدينة، فالبعض يراها مدينة مثالية تمجد الازدواج الجنسي والنفسي، مدينة تقع بين الذكورة والأنوثة. وكما يقول أحد الكتاب: الإسكندرية تفعل بالحب ما تفعله المعصرة بالنبيذ، وأن الخارج منها إما أن يكون رجلًا مريضًا، وإما وحيدًا وقد يكون نبيًّا.

قد تعجبك وتلهمك لأنها قد تقبل الدين والجنس الآخر، فقد ترك اليهود مع العرب مع القبط في تجارة تجمعهم دون إرادة منهم.

بين النقاط الثمانية كانت محطات عند تلك المدينة التي قرأت عنها، فتلك مدينة تسحرك وتبهرك، وقد تطحنك في روتينها اليومي. لها عبق وتراث محفور في قلب كل شخص زارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد