لم يكن يتوقع السوري يومًا أن الخيمة ستكون مأوى له ولأطفاله، ليس لشهر ولا لاثنين، بل لسنوات ممتدة بامتداد ثورة بدأها مطالبًا بحريته؛ ليجد نفسه وقد شُرّد في صحراء لا ترحم، أو نُفِي على الحدود في خيام تقضي على من تَبَقّى بصقيع كانون ولهيب آب. وبين مطرقة الشتاء وسندان الصيف، يقبع السوري في خيمته لا يملك إلا الانتظار، وفرجًا يأتيه من سماء تتلقى زفير دعواته قهرًا كل ليلة!

ولأن الخيمة لم تعد تقي بردًا ولا حرًا، كانت “قلوبنا خيامهم”.

هذا ما أطلقه الناشطون على مهرجانهم في ذكرى انطلاق الثورة الرابعة، فقد نظمت مدرسة ستب ون بالتعاون مع محبي دمشق وتحت رعاية وإشراف جمعية عيد الخيرية مهرجانًا تضامنيًا إحياءً لذكرى الثورة والتي كان آذار حاضنًا لها. استمر المهرجان لمدة خمسة أيام على التوالي ضمن فعاليات مختلفة، من سوق خيري إلى معرض للتراث السوري “القاعة الدمشقية”، مرورًا بالبوظة العربية، وبائع التمر الهندي إضافة لبرنامج المهرجان المشتمل على المحاضرات والندوات المختلفة وحضور شخصيات سياسية وإعلامية مختلفة.

فكرة متجددة

زيارتنا للمهرجان لم تكن سريعة فقد استوقفتنا التفاصيل الكثيرة التي حظيت باهتمام جعلت من المكان لوحة سورية أنيقة. وإذ أننا حديثو عهد بالمهرجان في هذا المكان فقد بادرنا لسؤال المديرة الأستاذة ريم يعقوب صالح عن تفاصيل المهرجان لتجيبنا: “فكرة المهرجان لم تبدأ من هذه السنة، وإنما كانت من العام الماضي، فقد تأثرنا جدًا بما مر به اللاجئون السوريون في الخيام لذا كانت الفكرة مرحّبًا بها من الجميع.

بدأنا السنة الماضية بمهرجان متواضع جدًا، لكن هذه السنة استطعنا توسيع المهرجان بمساعدة السوريين من شباب وشابات لتلبي لجنة محبي دمشق هذا الطلب، ويأتون مشكورين للتعاون معنا. وعن مشاركة محبي دمشق في هذا المهرجان يتحدث المهندس عمار حمودة أحد المتطوعين من اللجنة قائلاً: “جاءت المشاركة بمبادرة طيبة من إدارة مدرسة ستب ون التي قررت تنظيم سوق خيري لدعم اللاجئين السوريين، وتم الاستعانة بلجنة محبي دمشق للمساعدة بتنظيم السوق، فاقترحنا توسيع فكرة السوق الخيري ليكون مهرجانًا شعبيًا يضم فعاليات أخرى مرافقة للسوق الخيري كالقاعة الدمشقية، والمحاضرات التفاعلية لجذب عدد أكبر، فحظي عرضنا بالموافقة”.

وعن المدة التي استغرقها التحضير للمهرجان تتحدث راما داماس متطوعة من ذات اللجنة: استمر العمل والتحضير لمدة ثلاثة أسابيع استكملنا خلالها تنفيذ كل الأفكار التي تم طرحها على إدارة المدرسة والموافقة عليها.

عوائق غير متوقعة!

وحين سألنا حمودة عن تعرضهم لأي ضغط أثناء التنظيم والإعداد للمهرجان قال: “لم تكن هناك أية عوائق قبل تنظيم المهرجان على العكس تمامًا كل من طرقنا بابه من السادة الرعاة من السوريين وغيرهم أبدوا تعاطفًا وتعاونًا كبيرًا معنا، إلا أن العوائق بدأت قبل بدء المهرجان بعدة أيام حين تعرضت إدارة المهرجان لضغوط كبيرة من عدة أطراف تطالبنا بالتنسيق مع جهات رسمية معارضة، ودعوتها بشكل رسمي إلى المهرجان”. وتؤيد داماس ما قاله حمودة عن الضغط وتكمل: “رفضنا الاستجابة لأي ضغوط، وزاد إصرارنا لإيصال الرسالة التي بدأنا بها وهي أن المهرجان شعبي ولا نريد إضفاء أي صفة سياسية أو دبلوماسية إليه”.

إقبال شعبي

وعن الإقبال على المهرجان يتحدث حمودة: “في البداية كان التفاعل قليلاً نظرًا للتشويش الذي حصل ممن يدّعون تمثيل الثورة، بالإضافة لأمطار الخير التي عمت الدوحة، إلا أن الصورة ما لبثت أن ظهرت جلية للجميع وزاد الإقبال بشكل ملحوظ في اليوم الثالث لتبلغ ذروتها في اليوم الأخير”. مديرة المدرسة الأستاذة ريم كان لها رأيٌ آخر حيث قالت: “حظينا بإقبال كبير من قبل أولياء الأمور والطلاب، وبعض الجاليات المختلفة، كذلك من القطريين، إلا أنني توقعت إقبالاً وحضورًا أكبر للجالية السوريا”.

وتقول رُبى النجار متطوعة بالمهرجان: “مؤسف السبب الذي جعل الإقبال ضعيفًا من قبل الجالية السوريا في البداية رغم كل الجهود المبذولة، إلا أن اليوم الأخير شهد حضورًا كبيرًا جدًا”.

روح شبابية

“أجمل ما بالمهرجان أن كل القائمين عليه من الشباب والشابات الذين يمثلون الشكل السوري الأصيل بتفاعله وأدبه ووقاره واحتشامه”، هذا ما قالته “رفاه المهندس” العضو في المجلس الوطني السوري عندما قابلناها أثناء مشاركتها بالمهرجان. وعن المشاركة في المهرجان تقول: “تشرفني المشاركة بهذا المهرجان وبكل احتفالية ومهرجان يعود ريعه لأيتام بلادنا ونسائهم، ويسهم برفع راية بلدنا عاليًا”.

مشاركات مختلفة

لم تقتصر المشاركة بالتطوع والعمل على السوريين، فقد كان الدافع الإنساني هو المحرك لهذا العمل، تحدثنا عن هذا دعاء، متطوعة بالمهرجان وتقول: “أولاً وأخيرًا هو سوق خيري، فالموضوع كله خيري ولأهل سوريا وهم بحاجة للدعم بغض النظر عن أي ميول سياسية، أنا متعاطفة جدًا مع الناس فقد خسروا كل شيء وهذا بحد ذاته موجع. وتكمل: “أنا سعيدة بالتنظيم والمحاضرين والحضور، كانت أوقاتًا جميلة نقلتنا تارة لمصر وتارة لسوريا، وعشنا معها أجواء مميزة”.

وأثناء إجرائنا للمقابلات اقتربت منا فتاة أمريكية وأخبرتنا أنها تريد أن تقول شيئًا لسوريا، وهو أنها تتمنى لسوريا الحرية وأن يعيش الناس بحرية وسلام وسعادة”.

الصورة فكرة

عدسة “بيهس فوال” كانت حاضرة بكل زاوية من المهرجان، فلا نكاد نلتفت يمنة ولا يسرة إلا نراه يلتقط الصور تباعًا؛ ليوثق كل ما يستطيع توثيقه، وحين سألناه عن دوره كمتطوع هنا أجاب: “مطلوب مني كمصور متطوع أن أغطي كل الأحداث هنا، عملي هو إيصال الفكرة للناس بوسائل التواصل الاجتماعي تحديدًا الفيسبوك. وأرى أني قمت بعملي على أكمل وجه”، وعن سوريا يتكلم: “مهما تحدثنا نبقى مقصرين ولم نذق حتى القليل من الوجع الذي يعيشه الناس في سوريا، ودائمًا ندعو لهم، بالنصر على هذا النظام الطاغي”.

شهادة مجروحة

“شهادتنا بالمهرجان مجروحة ولكننا راضون كل الرضا عن النتائج النهائية، قدمنا سوريا لأهل قطر والجاليات العربية والأجنبية المقيمة هنا بصورة لاقت إعجابًا كبيرًا”، هذا ما قاله عمار حمودة عندما سألناه عن المهرجان. وتتحدث راما في ذات السياق: “في اليوم الأخير حصدنا تعب الأسابيع الماضية، رضا الحضور وكل من زارنا، وكلمات الإعجاب التي كنا نسمعها كلها جعلتنا راضين عما قمنا به وما قدمناه”. وتقول مديرة المدرسة: “أرى أننا نجحنا جدًا في تطوير المهرجان عن السنة الماضية، وكان أداؤنا رائعًا، أشكر لجنة محبي دمشق، أشكر كل من ساهم في هذا العمل، أشكر كل من شارك ودعم وأبدى تفاعلاً”.

القاعة الدمشقية

اختتمنا جولتنا بالقاعة الدمشقية، وهي قاعة ضمت معرضًا للتراث السوري و”الأنتيكا”، ومصنوعات كانت من تفاصيل البيت السوري القديم ولا تزال حتى الآن حاضرة في أغلب البيوت السورية، يميز هذا المكان عبق الآباء والأجداد، وحرفة تناقلتها الأيدي عامًا بعد عام، بدقة الصنع، وإبداع الشكل، وجودة العمل، وكما قالت غادة عويس حين زارت القاعة الدمشقية: “لم نذهب للشام، لكن الشام أتت إلينا”.

يُذكر أن اليوم الأول للمهرجان تضمن تعريفًا بالمهرجان وفعالياته، والعراضة السورية لفرقة الأصيل بالإضافة لتواجد المنشدة نسمة.

وشهد اليوم الثالث محاضرة لكل من السفير السويسري مارتين أشباخير عن الديمقراطية السويسرية، والأستاذ طلال عبد الكريم مدير إدارة التسويق والشؤون الإدارية في مركز الجزيرة الإعلامي الذي ألقى محاضرة بعنوان “الإيجابية والتفاؤل في أوقات الدمار الشامل”، والسيد فضل عبد الغني رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

وحضرت الإعلامية غادة عويس والإعلامي محمود مراد في ندوة حوارية مع الجمهور في اليوم الرابع.

ليكون الختام في اليوم الخامس مع كل من الأستاذة رفاه المهندس ومحاضرتها عن معاناة المرأة السورية في مخيمات اللجوء، ومن ثم محاضرة للأستاذ حسن قاطرجي بعنوان “الإيجابية والأمل في واقعنا الحالي”، والأستاذ أيمن مراد ومحاضرة “الثورة السورية ولعبة الأقليات”، إضافة للعراضة السورية، والمنشدة نسمة.
المهرجان

 

 

 


المهرجان1المهرجان2المهرجان4المهرجان5

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثورة, دمشق, سوريا, فن
عرض التعليقات
تحميل المزيد