ننظر إلى يومنا فنرى المسؤوليات على عاتقنا كبرت وتوسّعت. متطلبات الحياة المعاصرة تفوق قدراتنا وتستنزف طاقاتنا. نتذكر أمسنا وقد سهرنا مع الأصدقاء نضحك ونلعب، ونمنا مع أُسَرِنا في سلام. وتعود الذاكرة إلى الوراء لأيام الطفولة وبراءتها، فنتمنى ما (كان).

في الصباح مع فنجان القهوة نقرأ عناوين الصحف ونسمع نشرة الأخبار الصباحية. تُخبرنا عن حربٍ هنا وجريمة هناك، وسرقة في مكان آخر.

نستحضر الأيام الخوالي، أيام كانت بلادنا ملجأً للسّلام، وقِبلة الهاربين من ويلات الحروب، فنتمنى لو أن تلك الأيام (ما برحت).

نقود السيارة حتى نصل إلى وجهتنا. تقابلنا أصوات من المذياع تَدُق في رؤوسنا كالمطارق، وكلمات رقيقة لا تحمل في طيّاتها معانيَ هادفة على عكس أيام الزمن الجميل، والطرب الأصيل، وسوق عكاظ الفريد، فنتمنى لو أنه (ما زال).

في كل حادثة تمرُّ، وفي الشدائد، نتذكر ماضينا كأنه عالم جميل لا حزنَ فيه ولا صعاب. كأنّ الحياة كانت بمجملها سهلة ومريحة، هادئة وسليمة. حياة مثالية فاق تصوّرنا لها – في كثير من الأحداث – تصوّر ابن خلدون لمدينته الفاضلة.
يُخيلُ إلينا أن الإنسان كان يُخلق فارسًا دون مشقة التدريب والتعب، أو عالمًا دون سهرٍ وتحصيلٍ وسفر.

نتمنى ما في الماضي أن يكون بيننا؛ الأبطالُ لنتناقل قصصهم في مجالسنا، والدول والحضارات، بما فيها من حكام وأنظمة وحتى شعوب لِما سمعنا عنهم في الكتب، لعلّنا نشعر بقيمة الإنسان المفقودة.

لكن الزمان ذلك المزعج في استمراره نقلنا إلى الحاضر دون رأفة ورحمة. فلم يعد بيننا الفرسان بسيوفهم وخيولهم يمضون بشجاعة ويحققون الانتصارات، ولا العلماء بعلمهم وحضورهم وآرائهم المباركة، ولا حتى الدولة القوية بمؤسساتها وحكامها.
تَركَنا في واقعنا المتخلف ذي العيشة المُتعِبة، المهدرة لطاقات الإنسان.

أسئلةٌ تراودني عن خط الزمن؛ هل يزداد سوءًا كلّما ابتعدنا عن الماضي متجهين نحو المستقبل، وكيف سيكون هذا المستقبل؟

يقول الدكتور رأفت غنيمي الشيخ في تعريفه للتاريخ في كتابه (فلسفة التاريخ): «إن التاريخ هو دراسة للتطوّر البشري في جميع جوانبه السّياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والروحية، أيًا كانت معالم هذا التطور وظواهره واتجاهاته».

إذا تكلمنا عن تاريخنا، فهذا التطور البشري – كما وصفه الدكتور – لا بد أن تكون نتيجته يومنا الحالي.

إذًا فالواقع إن كان سيئًا، ما هو إلا نتيجة حتمية لتراكمات أفعالٍ وأحداثٍ سيئة، كما أنّ نتيجة الأفعال الصّائبة تؤدي إلى وجود واقع جيّد!

وزماننا إن أردنا أن نفهمه – أي كيف تكوّن – فلننظر في التاريخ بشجاعة متسائلين ومطالبين أن تُكشف لنا أسباب هذا التخلف الذي نعيش فيه وكيف تراكم عبر سنين، ليغدو اليوم على حاله هذا.

سيُحدثنا التاريخ عن حروبٍ قامت أُرهقت فيها الأنفس وشُردت الأسر بسبب أيديولوجيات مختلفة (ما زال) يدفع الإنسان ثمنها إلى اليوم!
وعن ملوك (كانوا) يتصِفُون بصفات الدجّال؛ أَكرَمَوا رجالهم بأموالهم ونعيمهم، وعلّقوا المشانق لرجالٍ أحرار خالفوهم، فرأى الناسُ نارهم!

في تاريخنا، كم من خائن (صار) بطلًا؟ وكم من بطل (أمسى) خائنًا؟ كم من تخلفٍ ازداد نموه لارتدائه عباءة القداسة، وكم من إشاعة حفظتها كتب التراث، وكم من حقيقة ضاعت مع مرور الزمن.

كل هذا وأكثر أنتج يومنا الذي نحن فيه!

وكما يقول الأستاذ مالك بن نبي في كتابه (بين التيه والرشاد) عن التاريخ أنه «ليس ما تصنعه الصُدف ولا مكائدُ الاستعمار، ولكن ما تصنعُهُ الشعوب ذاتها في أوطانها».

وفي التاريخ كذلك أحداثٌ رائعة، وأمجادٌ نرفع رؤوسنا بها، لكننا إن استحضرناها دون غيرها كانت كالمخدر يُحدث نشوةً في العقول. ننسى من الفرح الموهوم قسوة الحاضر وآلامه، وعندما نستيقظ من جديد يكون واقعنا قد ازداد سوءًا!

(كان وأخواتها) التي نستحضر من خلالها التاريخ؛ هي أدواتٌ كالخمر فيها إثمٌ كبيرٌ ومنافعُ للناس. إما أن تُذهب العقول فلا فائدة ترتجى منها عندئذٍ، وإما أن تُستخدم في عمليةٍ جراحيةٍ لعلاج واقع الأمة وقضاياها!

سيُجيبُنا التاريخُ عن أسئلتنا إن بحثنا بصدقٍ وموضوعية وشجاعة. فنفهم بعد ذلك واقعنا وأسبابه، ونعمل للتغيير على بصيرةٍ بحركة التاريخ. لأن عملنا اليوم إمّا ان نُشكَرَ عليهِ أو نُلعن، ليسَ من غريبٍ، بل ممن سيأتي بعدنا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ, فكر, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد