كم مرة كنت أكثر جبنًا من أن أقول ما قاله سابقًا أحمد مطر في قصيدته يسقط الوطن، نعم جبنًا أقصد الكلمة بمعناها الذي يرمز إلى نقص الشجاعة الكافيه للقول أو للتعبير عما تشعر به.

هل يسقط الوطن فعلًا؟ إذًا لماذا نظم كل هؤلاء الكتاب والشعراء والسياسيين كل هذا الشعر والروايات والكتب في حب وجلال الوطن؟

هل عانى أحدكم من نوبات البكاء المتكررة التي تأتي دائمًا بعد رحلة شاقة من البحث عن الوطن في قلبك وعقلك وربما في خزانة الذاكرة القصيرة والطويلة أيضًا، وفوجئ أنه يحمل في كل منهم جروحا وآلامًا وآثامًا ارتُكبت في حقه في هذا الوطن، بل ارتكبها في حقه هذا الوطن؟

نموت كي يحيا الوطن

منذ الخامس والعشرين من يناير ونحن نهتف نموت كي يحيا الوطن، قتل حتى الآن وفقًا لتقديرات موقع ويكي ثورة سبعة آلاف وثمانية وأربعين شخصا (٧٠٤٨) ولم يحيَ الوطن بل ارتاح ضمير الوطن وغض طرفه وترك بعضا من زبانيته يُسمّون من ماتوا كي يحيا هو، مرة خونة، وأخرى مخربين، وثالثه إرهابيين.

هل تعرف من هو كريم بنونة أيها الوطن؟

هل تذكر سالي زهران أيها الوطن أم يمكنك أن تخبرني كيف ومتى ولماذا قتل زياد بكير، وأحمد بسيوني، ومينا دانيال، وعماد عفت وسبعة آلاف وواحد وأربعين شخصًا آخرين؟

كل هؤلاء دُفنوا على عجل لكي يقعد الساسة يتشاجرون حول أنصبتهم من كعكة الوطن ويصدعون رؤوسنا سنوات متتالية بنظرياتهم عن الديمقراطية وإرادة الشعب والحرية والسياسة الدينية ومدنية الدولة وكل تلك السفاهات التي نسوها جميعًا فجأة أمام دبابة العسكري الذي يأتي في الوقت الذي يقرره هو ويبتلع من الكعكة ما يشبعه هو، ولا يستطيعون إلا أن يخفضوا رؤوسهم مبتسمين بوضاعة أمام احتقاره لهم جميعًا وزهوه ببندقيته التي تنهي ثرثرتهم المتتالية.

كيف يموت ميت؟ وكيف يحيا من اندفن؟!

لم يكن أي من هؤلاء السبعة آلاف ميتًا أيها الوطن، كل منهم كانت له عائلته وأحلامه وطموحاته وأحباؤه، كلهم كانوا شبابًا.

كلهم خرج من بيته كي يرفع عن كاهلنا حمل هؤلاء العواجيز الموغلين في الكراهة الطاعنين في الفساد المتجبرين بالظلم. فإذا بك تبتلينا بمزيد من القتلة وفيض من المسعورين للدماء والأموال حتى أصبحنا كل يوم نتجرع أخبار القتل بصمتٍ يحمل كثيرا من الإهانه لا إلى القتلى ولكن لنفوسنا التي أصبحت أكثرَ عجزًا ومرارة.

كلا .. سلمت للوطن!
خذه .. وأعطني به
صوتًا أسميه الوطن
ثقبًا بلا شمع أسميه الوطن
قطرة إحساس أسميها الوطن
كسرة تفكير بلا خوف أسميها الوطن

هل توقف الأمر عند ذلك الحد؟
للأسف فمن أخطأتهم قبور الوطن لم تفلتهم زنازينه وسجونه، وفق تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش هناك ٤١ ألف معتقل منذ عزل محمد مرسي وحتى الآن، بينما تقرير موقع ويكي ثورة يقدر أعداد الذين تم إلقاء القبض عليهم منذ تولي محمد مرسي للرئاسة وحتى ديسمبر ٢٠١٣ بـ 26.126 معتقلًا.

ولا مجال هنا لسرد كيف سخر منا الوطن في كل محاكمة هزلية يجلس فيها معتوه من معاتيه القضاء الذين يسمونهم زورًا وبهتانًا قضاة ليسرق عمر هذا وحلم ذاك وحياة هؤلاء وحرية أولئك ثم يجلس منتفخًا يكاد ينفجر من كثرة الحقد ليحدثنا بكل سفالة عن العدل والقانون والقضاء الذي لا يحترم وأحكام القانون التي لا يجب أن يُعلق عليها بينما رقابنا كل يوم تعلق على مشانق الوطن، لتدفن كل الأصوات التي مرت عبر حناجرها كلمات مثل الحرية وأخواتها.

تقرير هيومن رايتس ووتش عن عدد المعتقلين
تقرير ويكي ثورة عن عدد المعتقلين

نموت كي يحيا الوطن
يحيا لمن؟
لابن زنى
يهتكه .. ثم يقاضيه الثمن؟!
نموت كي يحيا الوطن..

هل حقًا يجب أن نموت كي يحيا الوطن وإذا كانت كل حفلات الموت الجماعي في البحار والقطارات والميادين والسجون هي الضريبة التي يجب أن ندفعها لكي يحيا الوطن.

فمن الذي له الحق أن يحيا؟ هؤلاء الذين أشبعونا سرقةً وفسادًا وظلمًا وتجبرًا، أم أولئك الذين يحكمون البلاد لعقود متتالية فلا نراها إلا في مؤشرات الفساد والفقر وانهيار التعليم والصحة وانخفاض جودة الحياة بكل صورها بل وانتهاك الحق في الحياة بكل الطرق.

مؤشر الفساد.
٢٢ مليون تحت خط الفقر.
مصر تحتل المركز 166 في الإنفاق على الصحة.
مصر في المركز 110 في مؤشر التنمية البشرية.

تف على هذا الوطن!
وألف تف مرة أخرى!
على هذا الوطن
من بعدنا يبقى التراب والعفن
نحن الوطن!
من بعدنا تبقى الدواب والدمن
نحن الوطن!
إن لم يكن بنا كريمًا آمنًا
ولم يكن محترمًا
ولم يكن حُرًا
فلا عشنا .. ولا عاش الوطن!
فلا عشنا ولا عاش الو…

كم مرة قرأت هذا النص، كم مرة انعقد لساني ولم أستطع نطق الكلمات، كم مرة كنت أكثر جبنًا من الاستسلام لمنطق العقل في قصيدة أحمد مطر يسقط الوطن، كم مرة بكيت وأنا اتنقل بين قوله من بعدنا يبقى التراب والعفن، نحن الوطن إلى قوله من بعدنا تبقى الدواب والدمن نحن الوطن.

لا أعرف أحدًا ممن حولي يمكنه أن يهتف يسقط الوطن ولا أعرف أحدًا ممن قُتلوا أو اعتقلوا أو شُردوا يمكنه أن يهتف تف على هذا الوطن .. كلنا هتفنا نموت كي يحيا الوطن ومتنا ولم يحيا الوطن لسنا لأننا أكثر وطنية من أحمد مطر الشاعر الذي واجه صنوفًا من الانتهاكات بتهمة حب الوطن ولكن لأننا لم نتعلم حتى الآن كيف نحيا لكي يحيا الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفساد, مجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد