حياة آمنة، بيت يُرمّم تعبنا، وظيفة تليق بنا، وطن لا يتنكّر لوجوهنا، حبيبة تحتضن أوجاعنا، هذا ما سيجيبكَ به أحدهم إن سألتَهُ عن آماله في الحياة، فمَن منّا لا يملك آمالًا صغيرةً كهذه في حياته؟! مَن منّا يتآكل عمره وتُرمى سنونه خلفه دون أنْ يكون له آمالٌ يجري خلفها ويركض في سبيل الوصول إليها؟!

نحلم، نتمنّى، نأمل ونألم، نحارب لأجل هذه الأشياء الصغيرة، نغذُّ الخطى سعيًا إليها، نُشرع لها أبواب قلوبنا وأرواحنا، فآمالنا إنْ بعُدت صارت آلامنا الزكية، وسرّ العذاب اللذيذ الذي نتجرّعه شئنا أم أبينا لنتابع السير نحوها، وعيوننا معلّقة على الأفق تنشد لحظة الوصول، ونصبو إليها؛ لأنّنا لا نملك في حياتنا شيئًا سواها، فرغم تنكُّر الأوطان، وغياب الحبيبات، ودسائس الخونة، ورهانات الحاقدين علينا وعلى أوجاعنا، نقاوم، ونُعافر لأجلها؛ فنحن كما قال فاروق جويدة «ما زلنا نلمح في رماد العمر شيئًا من أمل» ، عليه نحيا، وبه نجابه الصعاب، وكلّنا لهفة للوصول.

في بلاد تتعاظم فيها فرص الموت، وتقلّ فرص الحياة نتيجة توالد المكائد، إذ يزاحمنا كل من هبّ ودبّ على أرضنا فيطردنا ويحاول قتلنا، وقتلها، لا يمكننا إلّا أنْ نحارب يوميًّا للوصول لآمالنا الكبيرة في عيوننا الصغيرة في عيون الآخرين، لا يمكننا إلّا الاستمرار في الدفاع عنها دون أنْ نُبالي للعثرات التي تُقعدنا، ودون أنْ نهتم لإحباطات المحيطين، أو ضحكات الساخرين، لأنّها أغلى ما نملك وننشد، نعاود النهوض مرة أخرى، نواصل السير من جديد، يُغذّينا الإصرار والعزيمة «ففي اللامبالاة فلسفة، إنّها صفة من صفات الأمل» كما قال محمود درويش، فلو كنا نُبالي لكل ما قيل، ولو أنّنا أطرقنا آذاننا واستمعنا لكل الأفواه المحبطة لما واصلنا المسير، ولا عقدنا عزمنا على الوصول.

إنْ آمالنا الكبيرة/ الصغيرة تذكرني برواية تشارلز ديكنز الآمال الكبيرة، فما أشبه آمالنا الصغار بآمال شخوصه الكبار، وما أشبه إصرارنا بإصرارهم، ما أشبه آمالنا بآمال الطفل الشقي «بيب» الذي كانت أكبر آماله بادئ ذي بدء تتناسب ومستوى معيشته والبيئة المحيطة به، فلم يتطلّع لِمَا لا تطاله يده، أو تقوى عليه قدراته، ومن هنا كان أقصى آماله في أول حياته أنْ يصبح حدادًا ويساعد زوج شقيقته في عمله.

عن هذه الرواية المفعمة بالحبّ والإحسان والآمال التي تبدأ صغيرة وتكبر مع أبطال الرواية وأحداثها، فبطلها «بيب» ذاك الطفل الشقي كما وصفه ديكنز، انقلبت حياته، من صبي يعمل في الحِدادة لسيد صاحب أموال وعقارات؛ نتيجة وصية رجل ثري له بالمال، ليظهر في آخر الرواية أنه السجين الذي قام بمساعدته في الماضي!

تقذف فينا دفعة أمل كبيرة، فمرة تعلمنا أنْ نُربي آمالنا، لتكبر معنا دون أنْ تشبّ عن الطوق، فإذا ما تقاعست عنا الحياة، أو قصّرت في حقّنا، وسجنتنا في مرارة واقعها الذي يؤجل الآمال جلسنا نربي الأمل، فنفعل ما فعل درويش، و«‏نفعلُ ما يفعلُ السجناء، وما يفعل العاطلون عن العمل نُرَبِّي الأملْ!»، ومرة تعلّمنا أنْ الإحسان الذي نقدّمه للآخرين لا بدّ أنْ يعود لنا يومًا، وهذا باب آخر للأمل يفتح أمامنا.

آمالنا قد تتغير بمرور الزمن، لكن الحقيقة الوحيدة الثابتة أنّها تكبر، تكبر معنا كل يوم بل كل لحظة، وتُولّد فينا آمالًا جديدة، آمالًا تدفعنا للحياة، آمالًا ترفعنا للقمم، نزهو بها إذ تمنحنا الأجنحة لنحلق عاليًا، تخلق فينا أملًا يهذّب النفوس ويربيها على الصبر، ويعلّمها أنْ العيش ضيق لولا فسحة الأمل التي نُطلّ من خلالها على حياتنا والوجود، وأنّ السعي أوّل أسباب الوصول.

في ظلّ هذا الواقع المحبط لا يُمكننا أنْ نكفّ عن الأمل، كما لا يمكن للنور أنْ يتوقّف عن شقّ طريقه وسط الظلام «فالأمل هو كل ما تحتاجه الحياة لتكون جميلة» فآمالنا تغذّيها عزائمنا ومحاولاتنا، لتبعث فيها معنىً وقيمةً للحياة التي لا يمكنها الاستمرار دونهما، فإذا فقدنا الأمل واستولى علينا اليأس والقنوط فقدت حياتنا قيمتها، ارتدت ثوب البشاعة، وتجهّمت لنا بوجهها الكالح!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد