على منصة رابعة وبأعلى صوته أعلنها مدويةً «سلميتنا أقوى من الرصاص»، ورغم صدق الرجل، وجدية كلماته، إلا أن هذا لم يمنعهم من نعته وجماعته بالإرهابيين. تُرى من يقصدون بالإرهابي؟! أهو من يخيف الناس؟ حسنًا.. أي ناس؟ وكيف يخيفهم؟ كيف يكون الإنسان إرهابيًا؟ وتُرى كيف يكون بالأساسِ إنسانًا؟ وما علاقة الاثنين بالرصاص؟ وماذا عن القصاص؟!

أسئلة لطالما جالت بخاطري، فأما الإرهاب، فيقول الله عز وجل في مُحكم كتابه في سورة الأنفال: «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُون».

تُرى هل انتبه أحدهم لهذا المعنى؟! هل يعلمون أن الإرهاب هو ما يوجّه للعدو لإخافته من إلحاق الأذى بالمسلمين؟ وإن لم يعيه من أطلقه في الداخل؟ فهل قصده من ابتدعه في الخارج فقصد به القضاء على كل من حاول الوقوف أمام مخططاته؟؟!

ربما. فماذا عن الإنسانية؟! لم أراني لا أكاد أجدها بين البشر؟ كيف صارت نادرةً شحيحةً إلى هذا الحد؟ متى انتُزعت من أصحابها حتى صارت الدماء والأرواح تُزهق هكذا دون اكتراث؟!

في البداية كانت دماء الإخوان الإرهابيين، وكأنهم كانوا يجدون لأنفسهم عذرًا ليُنحُّوا إنسانيتهم، لكن يبدو أنها الآن –للأسف- غادرتهم طائعة إلى آخرين يقدِّرونها ويُنزلونها منزلتها من الجميع، من ليس لديهم مكاييل يكيلون بها البشر، فيُعاملون هذا بإنسانية وذاك بغيرها.

أذكر وقتًا كنّا نتوق فيه للسياسي الإنسان والحاكم الإنسان والقاضي الإنسان، فما بالنا الآن نكاد لا نجد بالأساس المواطن الإنسان، الذي يتألم لألم غيره كأي إنسان خلقه الله بفطرةٍ سليمة ترى الحق حقًا والباطل باطلاً دون مواربةٍ أو عناء.

تُرى هل علا صوت الرصاص فغطّى على صوت الإنسان بداخلنا؟ أم أن طلقاته قد قتلت أرواحنا فلم يعد لدينا سوى أجسادٍ خاوية لا تشعر ولا تتألم وإن فعلت فهي لا تتكلم؟! كل تلك التساؤلات وغيرها، كثيراً ماتُطاردني إلا أنِّي غالبًا لا أجد لها إجابة.

ربما في بعض الكلمات أو اللفتات هنا وهناك، فلانٌ قُتل في الاعتصام، «يستاهل إيه اللي نزله من بيته؟!»، فلانة اعتُقلت، «تستاهل أكيد كانت عاوزة تخرب البلد حد قالها تمشي في السكة ده؟!» فلان مريض في المُعتقل ويمنعون عنه الزيارة والدواء، «يستاهل حد قاله يقف في طريقهم؟!». فجأة، صار جميع من كانوا أهلاً لكل خير هم أهل كل شر. ولا أتحدث هنا عن ازدواجية في المعايير، أو تناقضات في آراء الشخص الواحد، أو حتى في آراء أو اتجاهات سياسية، أتحدث فقط عن الإنسانية، تلك الاعتبارات والمشاعر الملازمة لبني البشر وفطرهم الله عليها.

هل من الطبيعي أن يتعامل الناس مع كل تلك المظالم والدماء بهذا الشكل من اللامبالاة وعدم الاكتراث؟! هل كل هذا بالشيء الهين الذي ليس للناس أن تقف عنده أو تُنكره ولو حتى بالقلب؟! وهل إنكار القلب يصح مع التهليل للباطلِ ومهاجمةِ الحق وأهله؟!

ربما يغفل البعض عن مقصد حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) والذي رواه مسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». فمقصد الحديث يصب في تغيير المُنكر، أي أن حتى إنكار القلب لابد وأن ينعكس على العمل فيصب في التغيير، وهو لا يكون إلا بعد استنفاد كافة السُبل الأخرى.

وأما عن القصاص، فيقول الله عز وجل في مُحكم كتابه في سورة البقرة: «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ». ألا يشمل القصاص قتلاً؟ فكيف له أن يكون حياة؟! نعم يشمل القصاص قتلاً ولكنة قتلٌ للقاتل الذي هيأت له نفسه وشيطانه أن في قتلِ أخيه حياةً له؛ فكان في قتله حياةٌ للمجتمع بأسره، حيث يمثل القصاص هنا رادعًا لكلِ من يحاول العودةَ لمثلها. ومن ثمَّ فالقصاص ليس حقدًا ولا انتقامًا وإنما ردعًا وتحذيرًا من العودة لمثل ذلك، ودعوة للتعقل والتدبر، وكبحًا للنفس وغضبتها التي لا يجب ألا تكون إلا لله، وهكذا تكون الحياة. ومن هنا يكون حرصنا على القصاص حرصًا على حفظ الإنسانية والحياة، فإن كانت سلميتنا أقوى من الرصاص، فإن إنسانيتنا لابد لها من قصاص.

وفي الأخير، فقط كنت أحاول مع حضراتكم البحث عن إنسانيتنا، وما أُبرِّئ نفسي، فأعترف أنه ربما أصابني بعض مما أصاب غيري وأستنكره، لكن عزائي أنِّي أسأل ربي أن يُعينني أن أبرأ منه قبل أن يبلغ مني مبلغه فأكون كهؤلاء ممن تناسوا إنسانيتهم فنسيتهم. والله أسأل ألا يأخذ أفاضلنا بذنوبنا وسقطاتنا. وأن يعيننا على المُضي قُدمًا في طريق الحق والثبات عليه حتى نلقَى الله غير مفرطين. اللهم اهدنا سبل الرشاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد