عندما نعي الحياة ونسبر أغوارها، ونفهم الحكمة من خلقنا ومن وجودنا بهذه الدنيا شريطة أن يكون هذا الفهم عميقًا راسخًا بالنفس، كالطود العظيم الذي لا تهزه الأعاصير مهما بلغت قوتها، سنكتشف أنه مهما أوتينا من مال وبنين وزينة تبقَ زينة مزيفة، وسعادة وهمية، ما لم ترافقها عبادة حقيقية لله عز وجل، تقتضي بالضرورة الشعور بنشوة العزة والكرامة، ويزيد ذلك الشعور في ظل وجود خادم للرعية قادر على حمل الأمانة، والحكم بالعدل، كما أمره الله سبحانه وتعالى.

 

ولكن تنتفي قيمة الحياة بأسرها عندما تُفقد تلك المعاني الجوهرية السامية بفعل الحاكم، ورضا المحكوم.

 

الاستبداد والظلم عندما يتغلغلان في عمق المجتمع، بعدما زرع فيه الحاكم تلك البذور النتنة التي بظنه ستثبت حكمه بعيدًا عن قوة الشرعية، التي من المفترض أن يستمدها من الشعب، فهو نجح في حصد ما غرس من تجهيل الشعب، وسلبه حريته وحقوقه، وتلجيمه بلجام الخوف، واستعباده حد ظن البعض أن مَلكهم هو مالكهم! بعد ما ملك الأرض وما عليها.

 

الحاكم عندما يحيطه المحكوم بهالة من القداسة، يصبح الملك المقدس الزائل حتمًا أهم من الوطن الباقي!

وترتفع الشعارات التي ترتب الأوليات كالتالي:

– الله.

– الملك.

– الوطن يأتي أخيرًا!

وبمناسبة رفع هذا الشعار تعثرت بفتوى تقول إن مثل تلك الشعارات لا يجوز إطلاقها لأنها تعد من الشرك الأصغر، بل الأكبر بسبب جعلهم الله كمنزلة الملك أو الوطن!

ولست هنا بصدد مناقشة هذا الموضوع الآن.

 

نعود لهالة القدسية التي يحيطها المحكوم بالحاكم، يصبح هو الملك المقدس الذي لا يخطئ أيضًا. كما نص دستور إحدى الدول العربية على أن «الملك لا يخطئ»!

فإذا كان المخلوق منزهًا عن الخطأ، فهو إما في منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أنه ليس من البشر!

فالحاكم المستبد يُفصّل القانون والدستور على مقاسه وهواه.

 

فما ترسّب من أمراض العبودية في نفوس بعض البشر على مدى عقود يحتاج إلى علاج طويل لإزالتها، تمامًا كالذي استبد به المرض أعوامًا ثم منَّ عليه الله بالشفاء فأخذ يسترد عافيته شيئًا فشيئًا.

 

كم نحن بحاجة إلى تصحيح المفاهيم المتعلقة بنظرة المجتمع إلى من يتولى الرئاسة، ووعيه بحقوقه عليه انطلاقًا من تعاليم ديننا الإسلامي.

 

فما أسوأ أن يُنظر للحاكم كأب ووالد للشعب؛ لأنه بهذا يكون في مقام الوالد الذي أمرنا الله ببره حيًّا كان أو ميتًا، فيتم ربط طاعة الوالدين والحاكم برضا الله رغم أنها مشروطة، عندها تأتي المقارنة وتسليط الضوء على الآيات القرآنية والأحاديث التي تنص على وجوب طاعة ولي الأمر، وتضخيمها، وإخفاء وجوب الامتناع عن طاعة الحاكم ومتى يجب ذلك.

حتى عندما تسأل أحد علماء السلطان عن حكم طاعة الحاكم الظالم المستبد، يقول لك: «أطع ولي أمرك حتى لو جلد ظهرك». ولن يتطرق إلى أن أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر!

بينما لو سألته عن والدك الذي قد يكون ظالمًا ويأمرك بمعصية الله، يرد عليك بقوله تعالى: «وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا…».

رغم هذه المقارنة إلا أنك تجد من قد يعصي والده، ويطيع الحاكم الذي لا يقيم ما أمر به الله طاعة عمياء!

 

فإذا كان الله أمرنا بعدم طاعة الوالدين عندما يأمرنا أحدهما بمعصيته –عز وجل- فكيف بالحاكم الذي يخالف شرع الله ونهجه، وأقل شيء لو نظرنا في تحليله وتذليله سبل التعامل بالربا.

والله سبحانه وتعالى يقول: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ…».

فعندما يحاربنا الله، فمن ذا الذي سينصرنا؟!

 

يحضرني كتاب «العرب وجهة نظر يابانية» للكاتب الياباني نوبواكي نوتوهارا الذي عاش مع العرب وعرفهم عن كثب، حيث يقول:

«الحاكم العربي يخاطب الشعب بكلمة يا أبنائي وبناتي، عندنا نعتبر هذه الكلمة إهانة بالغة إذا استعملها مسؤول مهما كان كبيرًا، لأن الحاكم يستفيد عاطفيًّا من لهجة الأبوة للسيطرة على الشعب»، أنصحكم بقراءة الكتاب.

 

فمن هنا ظنّ عبد الله أن مَلِكنا المخلوق هو مالكنا بعد ما رأى أن كلمته هي العليا، والويل لمن يسمع له صوتًا!

ونسي أنه هو ومَلِكه عبدين لملك الملوك عز وجل، فنحن وكل ما في هذا لكون من ملوك صغار طغوا وتجبروا، ملكًا لخالقنا المالك الحقيقي الحق العادل عز وجل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد