إن تصور تجربة العيش دون النظر من مرآة الآخر لفترة من الزمن لتكشف لنا حقيقة كم نحن متعلقين بالآخرين، فالكل ينظر لنفسه من خلال الآخر، الصورة التي نحاول تمثلها ومطابقتها هي انعكاس للآخرين، صورنا تتشكل أو نسعى لتشكيلها من خلال الآخرين، إنهم  عبارة عن مرايا مجردة توجد في كل مكان وفي كل حين نحملها بداخلنا مرآة تسكن العقل والفكر والخيال والتصور وهي امتداد للمرايا المادية التي ننظر من خلالها لأنفسنا لكي نتشابه ونتواءم مع الآخر، إنها مزيفة وإنهم مزيفون، إنها تخدعنا وتجعلنا نخدع بعضنا البعض، لن أنظر لنفسي بعد الآن في المرآة / الآخر كي أتناسب مع نمطيته، وفي الوقت ذاته لن أراقب أفكاري، أحاسيسي، مشاعري، انفعالاتي؛ كي تتناسب مع استلابه مع قوالبه مع نفسيته.

لن أسمح لك أيها الآخر أن تريني من أكون أو كيف يجب أن أكون، أو كيف أفكر أو كيف أشعر، على الرغم من إننا نبدو مختلفين من حيث اللون اللغة الثقافة الميول، و إن اختلافاتنا هذه (المقبولة مجتمعيًا إلى حد ما) تبقى دون معنى؛ لأنه محكوم علينا بالمجتمع؛ لأننا يجب أن ننصاع مع السائد ونحاول مسايرته دون شعور ودون إرادة، اللهم إن كنا من الصفوة المتمردة سلبًا وإيجابًا أولئك الشجعان الغرباء الذين ضربوا عرض الحائط كل ما يفرضه مجتمعهم بلا هوادة وأطلقوا العنان لعقولهم وقلوبهم لعفويتهم وبحثوا عن شغفهم.. إنه من الصعب أن ندرك حقيقة ذاتنا وما يجب أن تكون عليه، إلا أن الأسوأ من جهلنا بذاتنا هو أن نبني شخصيات مزيفة أو متناقضة تمامًا مع حقيقة من نكون،  لن أنظر إلى ذاتي بعد الآن عبر الآخر بأشكاله وألوانه صغيرة وكبيرة، زهدت أو ارتفعت قيمته باختلافه بثرائه بذكائه وغبائه بعلوه وانحطاطه ببساطته وتنطعه بمحاسنه ومثالبه بتطوره وبتدهوره، حديثه وقديمه، يكفي أن أبحث عن شخصيتي كينونتي وجوديتي أو أحاول على الأقل.

إننا بتخلينا عن هاجس اتباع أو تقليد أو مسايرة مرايا الآخرين لا نحطم الآخر بداخلنا فحسب، وإنما نحطم معها كل الأشياء التي ستتدخل كرهًا في تكوين ذاتنا دون وعي منا أو دون إذن، ذلك الآخر السلبي المتغطرس المستلب المستبد الذي لا نقوى بمفردنا على رده وردعه لأن لديه قوة وسلطة تجعله يضع المعايير ويرسم المسارات ويخط الحدود على الأفكار والأشياء والإبداع والعادات على القبح والجمال الفشل والنجاح والخير والشر السعادة والشقاء الصلاح والفساد الواقع والخيال الخطأ والصواب على ماذا نحب، وماذا نبغض، كيف نحيى، وكيف يجب أن نموت، أو معنى الحياة، ومعنى الموت، وكل الأسماء التي تبعدنا عن إدراك حقيقتنا وحقيقة العالم الذي نتواجد فيه أو يتواجد هو في داخلنا أو بالأحرى نضطر لتصوره من خلال الآخرين المزيفين، إنهم موغلون في التجريد بقدر ما هم موغلون في الواقع إنهم تعاويذ وطلاسم، إنهم يوهمون ويخدعون يضللون إدراكنا ولاوعينا، لذلك فتلك الصفات هي شيء بخلاف الحقيقة، بل نقيضها تمامًا، وبالتالي لا تستحق التواجد في حياتنا إن الآخرين شخصية أخرى بداخل شخصياتنا، وما دام باستطاعتنا التخلص منها أو ترويضها أو تهميشها لماذا لا نحاول وننظر هل سيتغير العالم من حولنا أم لا، فلنحطم المرايا الآخرين لأنها خذلتنا لم تصدقنا لم تصارحنا زيفت مشاعرنا تصوراتنا أحاسيسنا، أوهمتنا استدرجتنا للمجهول حطمت عفويتنا حتى صرنا نجهل ذاتنا ومن نحن وصارت حياتنا كلها حياة للآخر، ومن أجل الأخر، ليست ما نصبو أن نكون عليه بصدق، مهما حاولت مطابقتنا مشابهتنا تقليدنا استنساخنا او حتى تقليد مشاعرنا وأحاسيسنا فرحنا وحزننا انبساطنا وانطوائنا… فهي تحاول باستمرار إقناعنا إنها حقيقتنا، إنه لشيء خطير حقير أن تحاول خداع وجداننا وتزييف خيالنا وتصوراتنا عن أنفسنا وعن العالم، يا له من صراع طويل مرير يندلع في كل لحظة، وكل فعل وحركة، وكل إيماءة، وكل نفس، وكل نظرة، وكل فكرة، وكل تصور، وكل إحساس في دواخلنا إنه لجحيم يكتنف وعينا وإدراكنا لأنفسنا ويرغمنا على الاختيار بين خوض هذه المعركة الطويلة العنيفة التي قد تؤدي بنا الى الهلاك أو الأسوأ منه العيش، ونحن لا نتقبل ونكفر بذاتنا ونستسلم وننبطح أمامها جراء ذلك الجبروت الفكري الذي سير المادة وروضها وجعلنا نخوض حربًا لا متناهية لا متكافئة لا رحمة فيها ضدنا، إنها فرصتنا لممارسة حقنا في التمرد وإعادة تعريف ذاتنا بعيدًا عن الآخرين وبعيدًا عن أحكامهم.

كل ذلك في المقابل دون أن نسعى لاستفزاز مشاعر الآخرين أو إثارة عواطفهم دون أن نحاول التأثير أو استمالة أفكارهم أو نفرض عليهم نمطية من نوع آخر، ومن ثم أن نحترم أنهم ليسوا نحن وأنهم مختلفون كذلك، وبين أن نحترم اختلاف الآخرين وأن نحترم تميز ذاتنا، هو مثل إظهارنا لسلاح أسود نحتمي به من سطوة الآخرين علينا، بالرغم أننا نرعبهم من الاقتراب أو التجرؤ أو التطفل أو حشر أنفسهم في شؤوننا، وفي الآن ذاته نعلم حقيقة أنه لا يمكننا إيذاءهم بفرض تصوراتنا ومعتقداتنا التي قد تكون مجانبة للصواب؛ لأن السلاح دون ذخيرة بالأساس، فذلك هو سلاحنا في حربنا الطويلة ضد الآخرين أو بالأحرى دفاعنا عن ذاتنا عن نسختنا الفريدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

علم نفس
عرض التعليقات
تحميل المزيد