يومًا بعد آخر يصاب المرء بالذهول من أخطاء، بل خطايا التعبير الإخواني عن هول المأساة والواقع الحالي.

  ومن الناس من يتعجب في المقابل ويتساءل: أو ليس ما يفعله السيسي والانقلابيون في مصر، والحكام في كثير من بلاد العرب والمسلمين، بأولى بهذا التعجب، والإسهاب في وصف الأخطاء والخطايا؟

  ومع التسليم بأن أخطاء وخطايا أغلب حكامنا من العيار الأثقل الذي لا يجدي معه أي نوع من أنواع الاعتذار، أو مجرد انتظار الإفاقة، فإننا لا نتوانى عن التعرض لهم ما أمكننا، وما اتسع الوقت، ولكن يبقى السؤال الأمر: ومَنْ جعل هؤلاء الحكام الجبناء على أعدائهم، المتنمرين على أهلهم، مِنْ جعل هؤلاء آمنين مطمئنين في كراسيهم إلى الآن؟

  أو ليس الأمر عائدًا إلى خطايا من العيار الثقيل للإصلاحيين في مصر أولًا، ومن خلفها كثير من بلاد العرب والمسلمين؟ إن لم يكن الحال هو الأعم الأغلب، والاستثناء يعد على الأصابع.

   ثم إننا بكلماتنا إلى الإصلاحيين، وعلى رأسهم الإخوان، نرجو ونتمى لهم القدرة على الإفاقة ومواجهة الواقع بقوة للخلاص الأولى من المحنة البالغة الشدة التي وضعهم أعداؤهم فيها بخبث الثعالب وضراوة الذئاب واستبسال الأسود.

 على أن الأمر يشير إلى أنه سيطول لدى السادة المصلحين، ولغة خطابهم تشي بأن المصيبة عصيبة.. وأن الخطب الذي استمر لعدة أعوام سيطول، وأن الأرواح التي أزهقت تنتظر المزيد، وأن الوقت الحرج لم يؤذن الله له بالغياب.

 من المفيد هنا التنبيه إلى أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – توفاه الله، وكذلك رفيقيه سيدينا أبا بكر وعمر بعد المرور بالستين عامًا بسنوات قليلة؛ ذلك لأن رب العناية والقدرة أدرى بأن القوى الذهنية تبالغ في الانحدار، ومن هنا فلا مسوغ لبلوغ السبعين والثمانين على رأس السلطة والحكم.. والأمر مع وجود خوارق له ناجحة بداية من تاريخنا الإسلامي لحكام العالم حتى الآن.. إلا أنه ينبغي النظر إلى قاعدة عدم البقاء في سلطة ولو إصلاحية بعد الخامسة والستين على الأكثر.. باحترام وتدقيق بخاصة في المحن البالغة الشدة والاضطراب التي تحيط بالمصلحين حتى لتكاد تعصف بهم.

 عدم الاستئناس بالقاعدة السابقة يساوي أنه تسري من حين لآخر أقوال ما أنزل الله بها من سلطان، ومن آخر الأقوال المريرة التي تضيف إلى مآسينا مأساة جديدة.. قول السيد المهندس يوسف ندا، مسئول العلاقات الخارجية الإخوانية مؤخرًا على شاشة الجزيرة مباشر: إن الله حاور الشيطان، فلماذا لا أحاور أنا السيسي؟

  عفوًا؛ فهذه الكلمات، الصمت عنها كان أفضل منها بمراحل، وفيها – مع إساءة الفهم – تُشبه صاحبها برب العزة، وترمي الآخرين بالشيطنة، بل تشبههم بإبليس، وهم حتى إن كانوا كذلك، وكان السيسي شيطانًا، أو حتى إبليسًا، فلا مانع في هذا الوصف لدينا.. لكن:

  أين فطنة وكياسة المهندس ندا، وهو يتحدث من سويسرا، وقد قارب عمره التسعين عامًا؟ يا هذا كيف ترجو أن تحاور السيسي، وأن يستجيب لك، ودع عنك أنك استنفدت جميع أدوات وأوراق لعبك أو جدك كلها، دع عنك كل هذا؛ فإنك لتصفه بإبليس، وتريد أن تحاوره، وأنت تجعل نفسك مكان رب العزة، ثم حتى لا يهون عليك أن تقول: (مع الفارق)؛ لبيان أنك لستَ الله.. إن كان القول خانك فشبهت الرجل الذي تريد العودة عبره وقومك المبتلين إلى مصر، وهل سيقبل منك مفاوضات – إن كانت الفرصة من الأصل باقية ما تزال ـ بعد أن نعته بإبليس؟

  ثم إن الأدهى الأشد والأبلغ مرارة أن رب العزة لما حاور إبليسًا كان الأقدر على التعامل معه وعقابه وطرده وتأثيمه.. وجريان الأقدار بما أراد تعالى رتب منذ الأزل، وأنت مجرد عبد لم تحسن لا قراءة المشهد أو تولية من يستحق الولاية، ثم ها أنت تسخر من السيسي من الورقة التي قدمها للترقية في الولايات المتحدة.. وكانت متاحة لك ولصانعي القرار في مصر قبل تولية السيسي وذبحه للناس ولأتباعكم.. فهل قصر تخطيطك وفهمك في معرفة أن الرجل شيطان فلم تدرك ذلك إلا بعد أن قارب أن يبيدكم؟

 ثم تتحدث – بعد ذلك – مشبهًا نفسك برب العزة.. وتعيد وتزيد في المقولة!

  والسيد ندا ليس أكثر من مثال ـ  في شخص واحد ـ على قادة للإخوان فقدوا المؤهلات العقلية والذهنية، ويعيبون على أعدائهم من الحكام بقاءهم في مناصبهم.. فيما هم أشد لصوقًا بالكراسي والمناصب منهم ولو جروا الخبال والوبال إلى الأمة كلها.

  وإن جاءت كلماتهم أكثر بلادة من كلمات طلاب المدارس الابتدائية، فتارة يعترف أمثاله بالحكام العرب جميعًا، ثم بدولة إسرائيل، بالتحديد في بيان للسيد إبراهيم منير، وأخرى ينصبون أنفسهم آلهة على الخلق من مؤيدين ومعارضين.. فيما هم في موقف بالغ الخذلان لنفسهم وبلادهم والأمة.. والأدهى أن أن الوقف مستمر ما استمروا في أماكنهم واستمرت كلماتهم التي أقل ما توصف به هو أنها خائبة!

 إنهم لا يستمعون.. مجرد استماع إلى كلماتهم ليدركوا أنهم يبيعون القاصي والداني ويعملقون من قوتهم.. ويرمون بأتباعهم إلى المجهول من أجل لا شيء، ولو تم تحكيم الأمر إلى عاقل منصف يراعي الله لأخرج السيد ندا على الأقل فورًا من الجماعة، مهما بلغت أمواله وشركاته!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد