لم يُشوه نبي مثلما شُوه سيدنا سليمان بن داود، سواء في التفاسير الإسلامية، أو في العهد القديم. ففي التفاسير الإسلامية، الصورة النمطية للنبي سليمان – عليه السلام – مشوهة نتيجة التفسير السقيم لآيات سورة النمل.

وهذه بعض صفات سليمان – عليه السلام – في التفاسير:

1- يفرد عضلاته على طائر ضعيف

كل الدلائل تشير إلى أن الهدهد المذكور في سورة النمل هو رجل عاقل حكيم من خاصة جند سليمان، وهو رجل استطلاع (أو مخابرات بالتعبير الحديث) من كتيبة الطير، وهو يستطلع المالك المحيطة بمملكة سليمان، وهو سفير سليمان ويحمل رسائله كما ورد في سورة النمل في قوله تعالى: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ.

وكتيبة الطير ذاتها من المتوقع أن يكون بها حمام زاجل وهداهد وطيور وإنس وجن من المشهورين بقدرات خاصة، ومنها السرعة وركوب بساط الريح وحتى الطيران.

وقد هدد سليمان ووعد الهدهد بالعذاب الشديد والذبح كما ورد في قوله تعالى في سورة النمل: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ. لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ.

فهل يليق بالنبي سليمان الحكيم أن يهدد ويوعد لطائر ضعيف تأخر عن مجيئه للوقوف مع جند سليمان؟ وهل يليق بنبي أن يفرد عضلاته على طائر ضعيف؟! أم أن الهدهد هو رجل استطلاع وقد تأخر في مهمته الاستطلاعية في مملكة سبأ؟

ولقب هذا الرجل هو (الهدهد)؛ لأنه من كتيبة الطير التي تحتوي على جنود بصفات خاصة، ووعيد سليمان (بالذبح) للرجل الهدهد هو من قبيل اتخاذ الأخير صفات الطائر[1].

هدهد سليمان ليس طائرًا

2- يرسل رسالة هامة يدعو فيها إلى توحيد الله مع سفير غير عاقل

ويصر المفسرون على أن سليمان -عليه السلام- قد أرسل رسالة التوحيد إلى ملكة سبأ على يد طائر ضعيف (غير عاقل)! أما كان الأجدر أن يرسل الرسالة على يد رجل حكيم من خاصة جنوده أو حتى طائر قوي مثل أحد الصقور أو النسور؟! وقوله تعالى في سورة النمل (فأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ) في هذه الآية الكريمة: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ.

تختلف عن (فألقه عليهم)، فالأخيرة تشير إلى إلقاء الرسالة (عليهم) من علٍ، مثل إلقاء (حمام الزاجل) للرسائل، أما الأولى (فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ)، فتشير إلى إلقاء الرسالة فعليا وشفهيا كما يفعل السفراء قديمًا وحديثًا، وهذا المعنى موجود في قوله تعالى في سورة النساء: (ولاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، وموجود في سورة القيامة في قوله تعالى: بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ. ومعنى (ألقى معاذيره) في التفاسير – كابن كثير – أي اعتذاره، والاعتذار يُقال (شفهيًا) كما هو معروف.

وفي معجم المعاني الجامع:

ألْقَى إلَيْهِ القَوْلَ، وَبِالقَوْلِ: أبْلَغَهُ إيَّاهُ.

ألْقَى إليه السلامَ: حَيَّاه به.

ألْقَى الأسْتَاذُ مُحَاضَرَةً: أَعْطَى.

ألقى عليه سؤالًا: وجّهه إليه.

فهل الهدهد (الطائر) سيلقي الرسالة شفهيا (بصوصوته أم بهدهدته)؟!

ولو كانت الإجابة بنعم، فهل تعرف (بلقيس) منطق الطير مثل سليمان الذي عُلم منطق الطير؟! أم أن الهدهد هو (رجل) سفير وحكيم وموضع ثقة كبيرة عند سليمان تؤهله لئن يحمل الرسالة ويبلغها لملكة سبأ؟

وقوله تعالى: فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ، فهل الهدهد الطائر (غير العاقل) يستطيع أن يفهم رد الرسالة وإرجاع الكلام بين بلقيس ومستشاريها كما يقول المفسرون؟!

وهل الطيور تعرف أسماء الممالك؟!

فمثلا الطيور التي تطير في أجواء جمهورية السودان تعلم أن السودان قد انقسم إلى دولتين، والتي في الجنوب اسمها (جمهورية جنوب السودان)، أم أن (السوفت وير) عند الطيور قديمة ولم تُحدث بعد؟!

فالطيور لها هجرات موسمية وتعرف الاتجاهات ربما عن طريق مجال مغناطيسي تشعر به، ولكنها لا تعرف أسماء الممالك … فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، ولا تعرف أسماء حكام الممالك، ولا تعرف أن بلقيس هي ملكة سبأ أيام سيدنا سليمان، ولا تعرف قوة أو ضعف العروش، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ؛ لأنها كائنات غير عاقلة.

والطيور لا تكذب أبدًا؛ انظر إلى قوله تعالى في سورة النمل: قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ.

وهل الطيور تجمع بجمع مذكر سالم؟

انظر لكلمة الكاذبين في الآية السابقة (27) والغائبين في هذه الآية من سورة النمل: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ. ومن المعلوم أن الطيور كائنات غير عاقلة، وجمعها لا يكون جمعًا مذكرًا سالمًا، وحين نجمع الطيور نقول (غائبة)، وحتى الحيوانات تُجمع مثل الطيور فنقول الأسود (متوحشة)، ولا نقول (الأسود متوحشون)، ولا (الطيور غائبون).

ولماذا عُلم سليمان منطق الطير؟

لتثبيت المؤمنين حوله مثلما حدث مع أبيه داوود – عليهما السلام – حينما كانت تسبح معه الجبال والطير، قال تعالى في سورة الأنبياء … وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ، وكما حدث أيضًا لسيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – معجزات كثيرة أمام أصحابه لتثبيت إيمانهم؛ ومن هذه المعجزات بركة الطعام القليل وتكثيره، وتفجير الماء بين أصابعه الشريفة، وبكاء وحنين جذع النخلة بين يديه صلى الله عليه وسلم.

هدهد سليمان ليس طائرًا 2-2 «حقيقة نملة سليمان»

3- سارق لعرش بلقيس

وهذا الفهم السقيم ورد في تفسير الآيات الكريمة 38 إلى 40 في سورة النمل. وقد بينا في الجزء الثاني من مقال هدهد سليمان ليس طائرًا، أن المقصود بقوله تعالى: قالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، هو مناقشة من الملك سليمان مع كبار قادته لإخضاع عرش بلقيس (الوثني) لحكم سليمان (التوحيدي)، أي لحكم الإسلام، وبعدما استقر حكم (سبأ) لسليمان، شكر ربه، قال تعالى: فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ.

فهل نبي من أنبياء الله يشكر ربه لقدرة أحد جنوده على (سرقة) عرش مملكة أخرى بسرعة وبخفة ورشاقة؟! أم أن الشكر متعلق باستقرار مملكة بلقيس وخضوعها لحكم سليمان والمتمثل لدين الإسلام، وليس من رموزه عبادة الشمس ولا أي إله سوى الله عز وجل، إنما رمزه هو توحيد الله عز وجل.

وكلمة (مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ) كما جاءت في الآية الكريمة، تدل على نفي وجود أي مناوشة من قادة وجنود الحكم الوثني السابق لإعادته مرة ثانية؛ لأنهم قد خضعوا لدين الإسلام وأسلموا لله كما فعلت مملكتهم بلقيس، والناس على دين ملوكهم.

4- يحتال ليرى ساقي بلقيس

في تفسير المفسرين لقوله تعالى في سورة النمل: قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نجدهم يتهمون سليمان – عليه السلام – بأنه أراد أن يرى ساقي بلقيس بدون أمر مباشر؛ فأوعز إلى جنوده أن يبنوا لها صرحا من زجاج وتحته ضفادع وكائنات بحرية، فلما مرت من عليه، كشفت عن ثيابها ظنًا منها أنها تمر على بحر!

وفي رواية أخرى، تقول خرافة المفسرين بأن الجن قد أخبروا سليمان بأن ساقيي بلقيس مكسوان بالشعر؛ لأنها ابنة جنية؛ فبنى سليمان الصرح الممرد من القوارير لكي تظن أنه بحر وتكشف عن ساقيها ويتمكن من رؤيتهما! هل هذا يليق بمقام الأنبياء؟! هل يوجد إنسان عادي – وليس بنبي – يتحايل بهذه الطريقة (غير المحترمة) لكي يرى ساقي امرأة؟![2].

أما في العهد القديم، فهذه بعض صفات النبي سليمان عليه السلام:

1- طعامه الشخصي اليومي يكفي أفراد قبيلة أو أكثر

وَكَانَ طَعَامُ سُلَيْمَانَ لِلْيَوْمِ الْوَاحِدِ: ثَلاَثِينَ كُرَّ سَمِيذٍ، وَسِتِّينَ كُرَّ دَقِيق، وَعَشَرَةَ ثِيرَانٍ مُسَمَّنَةٍ، وَعِشْرِينَ ثَوْرًا مِنَ الْمَرَاعِي، وَمِئَةَ خَرُوفٍ، مَا عَدَا الأَيَائِلَ وَالظِّبَاءَ وَالْيَحَامِيرَ وَالإِوَزَّ الْمُسَمَّن. [3].

فهل يوجد إنسان يأكل هذا الكم الرهيب من الطعام في يوم واحد؟! وأي جهاز هضمي يتحمل هذا الكم الرهيب من الطعام؟ حتى معدة الديناصور لا تتحمل هذا الكم الرهيب من الطعام (وَ10 ثِيرَانٍ مُسَمَّنَةٍ، وَ20 ثَوْرًا مِنَ الْمَرَاعِي، وَمِئَةَ خَرُوفٍ، مَا عَدَا الأَيَائِلَ وَالظِّبَاءَ وَالْيَحَامِيرَ وَالإِوَزَّ الْمُسَمَّن)!

أظن أنه بعد إطعام سليمان لأسابيع قليلة، ستختفي الماشية والطيور وحتى الخبز من مملكة سليمان كلها!

2- دونجوان عصره

وَأَحَبَّ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ نِسَاءً غَرِيبَةً كَثِيرَةً مَعَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ: مُوآبِيَّاتٍ وَعَمُّونِيَّاتٍ وَأَدُومِيَّاتٍ وَصِيدُونِيَّاتٍ وَحِثِّيَّاتٍ 2 مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ قَالَ عَنْهُمُ الرَّبُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: «لاَ تَدْخُلُونَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ إِلَيْكُمْ، لأَنَّهُمْ يُمِيلُونَ قُلُوبَكُمْ وَرَاءَ آلِهَتِهِمْ». فَالْتَصَقَ سُلَيْمَانُ بِهؤُلاَءِ بِالْمَحَبَّةِ. [4].

3- زير نساء (كازانوفا عصره)

3- وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلاَثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ، فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ. [5]… يا لطيف يا رب!

3- عابد لآلهة وثنية!

ولم يكتفِ سفر الملوك الأول بالتشويه السابق للنبي سليمان الحكيم، إنما لصق به تهمة عبادة آلهة وثنية ليرضي عشيقاته من الأمم الأخرى!

وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلًا مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ. فَذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ. [6].

4- عمل الشر في عيني الرب

ولم يتب من عبادة الأوثان وأصر على غيه وضلاله ووثنيته حتى موته!

وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلَمْ يَتْبَعِ الرَّبَّ تَمَامًا كَدَاوُدَ أَبِيهِ. [7].

وبعد هذا التشويه الفظيع، فهل سليمان – عليه السلام كان مسلمًا موحدًا بالله بعد عبادته للألهة الوثنية؟! وكيف يكلفه الله بالرسالة وهو يعلم أنه سيكفر ويعبد الأوثان؟! وهل يُنعت بعد ذلك بالنبوة؟ وإذا كان نبيًا، فماذا تبقي له من صفات النبوة؟! وأين حكمة سليمان الحكيم سواء في التفاسير الإسلامية أو العهد القديم؟!

———————————————————-

[3] انظر إلى إصحاح 4 آية 22 و 23 من سفر الملوك الأول

[4] انظر إلى إصحاح 11 آية 1 و 2 من سفر الملوك الأول

[5] انظر إلى الإصحاح السابق 3

[6] أية 4 و 5 من الإصحاح السابق

[7] آية 6 من الإصحاح السابق

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد