إن الصبر في المحن من عظيم شيم المؤمنين، وقد قضى الله، عز وجل، على عباده في هذه الحياة شتى أنواع الابتلاءات والامتحانات، وقد كانت حادثة الإفك من أشد الابتلاءات على المؤمنين عامة، حيثُ التقوُّل على إحدى أمهاتنا: أُمِّ المؤمنين، وحبيبةِ رسولِ ربِّ العالمين، الصديقة بنت الصديق، الطاهرة العفيفة، المبرأة من فوق سبع سماوات: عَائِشَة، رضي الله عنها وأرضاها.

وقد كان الصبر على أذي القول صفة عظيمة في أمنا عائشة، رضي الله عنها، لذا فإننا نقف مع أمنا الغالية عائشة وقفة قصيرة ندرك من خلالها منزلتها المعظمة.

لا يُذكرُ الطُّهرُ إلا قيلَ عَائِشَة ** رمزٌ لهُ وهوَ نورٌ في مُحيّاها
نُجِلُّها نُطرِبُ الدنيا بِرَوعتها ** إذا انبرى بكلامِ السوءِ أشقاها
نُرتِّلُ الوحيَ صفوًا عن طهارتِها ** ولا نُبالي بصوتٍ خاسئٍ تاها

لمحة عن أم المؤمنين

هي أمُّ المؤمنين عَائِشَة، بنتُ الإمام الأكبر، خليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبي بكر الصديق، (عبدِ الله) بنِ أبي قحافة (عثمانَ) بنِ عامرِ بنِ عمروِ بنِ كعبِ بنِ سعدِ بنِ تَيْمِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لؤي بن فهر بن مالك بن كنانة، أمُّ عبد الله، القرشيةُ، التَّيْمِيَّةُ، المَكِّيَّةُ، ثم المَدَنِيَّةُ، زوجةُ النَّبِيّ، صلى الله عليه وسلم.

كانت تكنى بأم عبد الله، كناها بها النَّبِيّ، صلى الله عليه وسلم، وذلك عندما طلبت منه أن يكون لها كنية، فكناها بابن أختها أسماء، تطييبًا لخاطرها، فعن عروة عن عَائِشَة، رضي الله عنها، أنها قالت: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ صَوَاحِبِي لَهُنَّ كُنًى، قَالَ: «فَاكْتَنِي بِابْنِكِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ» – يعني ابن اختها -، فَكَانَتْ تُدْعَى بِأُمِّ عَبْدِ اللهِ حَتَّى مَاتَتْ».

ويلتقي نسب عَائِشَة، رضي الله عنها، مع النَّبِيّ، صلى الله عليه وسلم، من جهة الأب في الجد السابع (مرة بن كعب)، ومن جهة الأم في الجد الحادي عشر أو الثاني عشر.

وأسرة السيدة عَائِشَة رضي الله عنها تنحدر من قبيلة (تيم) العربية، والتي عُرف عنها الكرم والشجاعة والنجدة، ونصرة المظلوم، وإعانة الضعيف، وقد عُهِدَ إلى أبي بكر الصديق بصفته أحد سادتهم، بأمر تسوية الدم وأداء المغارم والديات.

صدِّيقةٌ وابنةُ الصدِّيقِ ليس لها ** من مُشبِهٍ في الصَّبايا في مزاياها

خطبها النبي، صلى الله عليه وسلم، وهي بنت ست سنين، ودخل عليها وهي بنت تسع سنين، فعنها رضي الله عنها قالت: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِسِتِّ سِنِينَ، وَبَنَي بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ».

كانت ذا عقل نيِّر جعلها أهلًا للعلم والفتوى، فما كانت تترك شيئًا مرغوبًا من العلم والتفقه في الدين حتى إن أكابر الصحابة إذا أشكل عليهم الأمر في الدين استفتوها فيجدون علمه عندها، قال أبو موسى الأشعري، رضي الله عنه: «مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَة إِلا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا».

وقد استدركت عَائِشَة، رضي الله عنها، على كبار الصحابة في مسائل كثيرة، حتى صنف بعض العلماء في استدراكاتها عليهم، وممن صنف في ذلك: أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي البغدادي (411 – 489هـ)، وبلغت مستدركاته خمسة وعشرين حديثًا؛ وبدر الدين الزركشي (745 – 974هـ)، في مصنفه «الإجابة لما ما استدركته عَائِشَة على الصحابة»، واستدراكاته فيه أربعة وسبعون حديثًا، نشر منها السيوطي جزءًا موجزًا بعنوان: «عين الإصابة فيما استدركته عَائِشَة على الصحابة».

ولم يقتصر عقل عائشة، رضي الله عنها، على التفقه في الدين وفقط، بل تعلمت الشعرَ وكانت من الفصحاء إذا تكلمت أعجزت بسحر بيانها، ويدل على ذلك رثاؤها، فلما توفي أبوها رثته رثاء يكشف عن آدابها العالية (2)، قالت رضي الله عنها: «رَحِمَكَ اللهُ يَا أَبَتِ! لَقَدْ قُمْتَ بِالدِّينِ حِينَ وَهَى شُعَبُهُ، وَتَفَاقَمَ صَدْعُهُ، وَرَحُبَتْ جَوَانِبُهُ، وَبَغَضْتَ مَا أَصْغُوا إِلَيْهِ، وَشَمَّرَتَ فِيمَا وَنُوا عَنْهُ، وَاسْتَخْفَفْتَ مِنْ دُنْيَاكَ، مَا اسْتَوْطَنُوا، وَصَغَّرْتَ مِنْهَا مَا عَظَّمُوا، وَلَمْ تَهْضِمْ دِينَكَ، وَلَمْ تَنْسَ غَدَكَ؛ فَفَازَ عِنْدَ الْمُسَاهَمَةِ قَدْحُكَ، وَخَفَّ مِمَّا اسْتَوْزَرُوا ظَهْرَكَ، حتى قررت الرؤوس عَلَى كَوَاهِلِهَا، وَحَقَنْتَ الدِّمَاءَ فِي أَهُبِّهَا – يَعْنِي: فِي الأَجْسَادِ -؛ فَنَضَّرَ اللهُ وَجْهَكَ يَا أَبَتِ! فَلَقَدْ كُنْتَ لِلدُّنْيَا مُذِلاً بِإِدْبَارِكَ عَنْهَا، وَلِلآخِرَةِ مُعِزًّا بِإِقْبَالِكَ عَلَيْهَا، وَلَكَأَنَّ أَجَلَّ الرَّزَايَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، رِزْؤُكَ، وَأَكْبَرُ الْمَصَائِبِ فَقْدُكَ؛ فَعَلَيْكَ سَلامُ اللهِ وَرَحْمَتُهُ، غَيْرَ قَالِيَةٍ لِحَيَاتِكَ، وَلا زَارِيَةٍ عَلَى الْقَضَاءِ فِيكَ».

بل إنها كانت على اطلاع واسع على علوم أخرى، ومن هذه العلوم علمها بالطب؛ ولهذا كان عروة بن الزبير يتملكه العجب من إحاطة أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، بكل هذه العلوم، فعن هشام بن عروة رحمه الله قال: «كَانَ عُرْوَةُ يَقُولُ لعَائِشَة: يَا أُمَّتَاهُ، لا أَعْجَبُ مِنْ فَهْمِكِ، أَقُولُ: زَوْجَةُ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، وَبِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَلا أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِكِ بِالشِّعْرِ، وَأَيَّامِ النَّاسِ، أَقُولُ ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ أَوْ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ، وَلَكِنْ أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِكِ بِالطِّبِّ كَيْفَ هُوَ؟ وَمِنْ أَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فَضَرَبَتْ عَلَى مَنْكِبِهِ وَقَالَتْ: أَيْ عُرَيَّةُ (بضم العين وفتح الراء وتشديد الياء بعدها – تصغير عروة)، «إِنَّ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه، وسلم كَانَ يَسْقَمُ عِنْدَ آخِرِ عُمْرِهِ، أَوْ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، فَكَانَتْ تَقْدَمُ عَلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَتَنْعَتُ لَهُ الأنْعَاتَ (جمع نعت بمعنى المنعوت، أي: الأدوية المنعوتة)، وَكُنْتُ أُعَالِجُهَا (أي أصلحها) لَهُ، فَمِنْ ثَمَّ (فبذلك تعلمت الطب)».

صفاتها

كانتْ أُمُّ المؤمنين عَائِشَة، رضي الله عنها، امرأةً جميلةً، بيضاء مشربة بحُمْرَة؛ ولهذا يقال لها: الحميراء ، والعرب تطلق على الأبيض الأحمر، كراهة لاسم البياض لكونه يشبه البرص، فهي كانت رضي الله عنها بيضاء بياضًا ناعمًا مشربًا بحمرة.

وكانت رضي الله عنها نحيلة الجسم في شبابها، ثم بمرور الأيام امتلأت وبَدُنَتْ، وحملت اللحم، وهذا ما تحكيه هي بنفسها، فقالت، رضي الله عنها: «سَابَقَنِي النَّبِيّ، صلى الله عليه وسلم، فَسَبَقْتُهُ، فَلَبِثْنَا حَتَّى إِذَا رَهِقَنِي اللَّحْمُ سَابَقَنِي فَسَبَقَنِي، فَقَالَ:(هَذِهِ بِتِلْكَ)».

يقول الندوي رحمه الله: «كانت عائشة، رضي الله عنها، من أولئك السيدات التي تنمو وترعرع بسرعة هائلة من حيث النمو الجسمي، فكانت لما بلغت التاسعة أو العاشرة من عمرها سمنت كأحسن سمنة، أما في باكورة عمرها فكانت نحيفة الجسم، خفيفة لم يغشها اللحم، ثم مالت بعد سنوات إلى شيء من السمنة، ولما كبرت بدنت ورهقها اللحم.

وجملة ما يفهم من وصفها على التحقيق أن لونها كان أبيض يميل إلى الحمرة، وكانت وضيئة بهية المنظر رائعة الجمال».

وقد كانت أُمّ المؤمنين عَائِشَة، رضي الله عنها، مع صيامها وقيامها وكرمها وجودها تكره أن يُثْنَي عليها وأن تُمْدح وهي تسمع، مخافة الرياء، وتقول: «يَا لَيْتَنِي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا»
وكثيرًا ما كانت تتمثَّل ببيت لبيد بن ربيعة :

ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ ** وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ

وتقول: رحم الله لبيدًا فكيف لو رأى زماننا، وعندما سمع عروة بن الزبير هذا قال: رحم الله أُمّ المؤمنين فكيف لو رأت زماننا!

قدرها عند الله عز وجل

جاء جبريل – عليه السلام – إلى النبي، صلى الله عليه وسلم في رؤياه بقطعة قماش حريري عليها صورة «عائشة بنت أبي بكر» وقال له: «إنها زوجتك في الدنيا والآخرة».
فأخذ – صلى الله عليه وسلم – يفكر في أمر هذه الرؤيا، ثم صرفه ذهنه عنها معتبرًا إياها أضغاث أحلام، لكن الرؤيا تكررت ليومين، فأدرك النبي – صلى الله عليه وسلم – أنها أمر من الله – سبحانه وتعالى – ولا بد من تنفيذ أمر الله. ثم بكر – عليه الصلاة والسلام – إلى دار أبي بكر – رضي الله عنه – يريد خطبتها، فاستقبله أبو بكر مرحبًا.

وقد أخرج البخاري في صحيحه أن عائشة، رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ ، فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ».

وبعد أن تزوجها النبي، صلى الله عليه وسلم، وبعد أن تقوّل الكذبة على زوج رسول الله الطاهرة، سأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال: تسألني يا رسول الله عن عائشة وإني بدوري أسألك: من زوجك إياها؟ فأجاب رسول الله بهدوء: «الله تعالى». فقال عمر: إذًا أفتظن أن الله قد خدعك فيها؟ سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.

وقد كانت عائشة حينئذ في بيت أبيها حزينة على حالها من الكذب عليها، ولم يبق أمام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلا المواجهة فعزم على الذهاب إلى دار أبي بكر – رضي الله عنه – وحين دخل – عليه الصلاة والسلام – إلى الدار كانت عائشة تبكي وبجوارها امرأة من الأنصار، فكفكفت دمعها ومسحت عينيها، ثم جلس رسول الله قبالتها يسألها: «يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقي الله؛ فإن كنت قد قارفت سوءًا مما يقولون فتوبي إلى الله إن الله يقبل التوبة من عباده». ونزل القول على رأس عائشة نزول الصاعقة، فخيم الصمت الرهيب على المكان وشمل الجميع السكوت، ولكن عائشة وحدها تكلمت ودموعها تدفقت من عينيها بغزارة، تكلمت لتدافع عن نفسها ثم نظرت إلى والديها وقالت صائحة صارخة: ألا تجيبان؟!

فقالا: «والله ما ندري بماذا نجيب». فعادت إلى البكاء مع النشيج والنحيب، وقد تقطعت نياط قلبها حزنًا وألمًا ثم التفتت إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قائلة: «والله، لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدًا ، والله إني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس، والله يعلم أني بريئة لأقولن ما لم يكن، ولئن أنكرت ما يقولون لا يصدقوني، إنما أقول كما قال أبو يوسف (يعقوب – عليه السلام -) «فصبر جميل والله المستعان على ما يصفون».

وعندما نزل الوحي ببراءتها على النبي قال: «أبشري يا عائشة قد أنزل الله براءتك..» فصاحت والفرحة تغمر قلبها: «الحمد الله».

ثم تلا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. [النور: 11 – 18].

ثم أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالأشخاص الذين كانوا يروجون ويفترون ويقذفون فنالوا جزاءهم.

وعادت أم المؤمنين البريئة إلى بيتها رافعة رأسها، كيف لا وقد برأها رب العالمين!

قدرها عند رسول الله

لقد كان لأمنا عائشة قدر ومنزلة عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويمكننا أن نشير إلى بعض مظاهر هذه المنزلة فيما يلي:

1. حبه لعائشة، رضي الله عنها، ويدل عليه: عندما سأله عمرو بن العاص رضي الله عنه «أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ:(عَائِشَة)، قَالَ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ:(أَبُوهَا)».

و كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يختلف إلى بيت أبي بكر ويقول: «يَا أُمَّ رُومَانَ، اسْتَوْصِي بِعَائِشَةَ خَيْرًا وَاحْفَظِينِي فِيهَا».

2. تقول عائشة، رضي الله عنها: «وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى لَعِبِهِمْ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِي، حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ».

3. وكان صلى الله عليه وسلم من شدة حبه لها ينزل إلى رغباتها ويشاركها في لعبها، فعنها رضي الله عنها: «أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، قَالَتْ: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ:(هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ)» ، وكان النَّبِيّ، صلى الله عليه وسلم، إذا افتقدها قال: «وَاعَرُوْسَاهُ» .

4. النبي يتألم لألمها، فقد وجعت يومًا فقالت: «وارأساه» فقال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: «بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ» (4)، قال بدر الدين الزركشي رحمه الله: «فيه إشارة للغاية في الموافقة حتى تألم بألمها فكأنه أخبرها بصدق محبته حتى واساها في الألم».

5. كان صلى الله عليه وسلم متمسكًا بحبها حتى فارق الدنيا، ويدل على ذلك اختياره صلى الله عليه وسلم أن يمرض في بيتها، ووفاته بين سحرها ونحرها، ودفنه في بيتها.

وفاتها

كانت وفاتها سنة ثمان وخمسين من الهجرة، ليلة الثلاثاء، السابع عشر من شهر رمضان. على أرجح الأقوال. وقد بلغت من العمر تسعة وستين عامًا.

وكان الصحابي الجليل أبو هريرة – رضي الله عنه – ممن حضر جنازتها، وبينما هو في طريق عودته من البقيع بعد الدفن، وقد فاضت عيناه بالدموع، كان يردد: «رحم الله أم المؤمنين عائشة، لقد كانت حياتها صفحة ناصعة شديدة النقاء بالغة الطهارة».

وقد أنشد حسان بن ثابت رضي الله عنه عن أم المؤمنين:

حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ** وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ** كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ
مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خِيمَهَا ** وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلِ

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد