الثّغرةُ التي تُؤتَى منها الحركةُ الإسلامية في كلّ جولة هي نقصُ الخبراء الإستراتيجيين في صفوفها، الذين يستطيعون استشرافَ المستقبل، وفهْمَ الأعداء، وَوَضْعَ الخطط، واقتراحَ البدائل، ومعرفةَ الخيارات، وترتيبَ الأولويات. وهؤلاء لا يتكوَّنون بقراءةِ كتابٍ أو كتابين أو حتى 100 كتاب. بل بالدراسةِ العميقة الواعية، ثم الممارسة والخبرة العملية الطويلة، وتبادل الخبرات والوقوف على تجارب الآخرين وهضمها.

استمع إلى عضو مكتب الإرشاد سـنة 1954 حسن العشماوي يصفُّ جمالَ عبد الناصر وكان شيطانًا يمشي على قدمين، والعشماوي من خصوم عبد الناصر، والحقُّ ما شهدتْ به الإخوان، يقول: «راح يتصل بالأحزاب والهيئات والجماعات العلنية والسرية القائمة في مصر وقتذاك».

كان ينضم إلى بعضها، ويصادق أعضاء في البعض الآخر.. ويكسب ثقتهم على نحو استطاع به أن يعرف ما يجري داخل الحزب أو الهيئة أو الجماعة، وهكذا استطاع جمال أن يتصل بالوفد، والحزب الوطني، ومصر الفتاة، والحرس الحديدي للملك فاروق، وحزب الفلاح وخلايا الشيوعيين، والإخوان المسلمين وغيرها.. بل استطاع أن يجمع في الوقت الواحد بين عضويته في أكثر من هيئة، حتى أنه يجمع حينا بين البغيضين؛ فكان عضوا في خلية شيوعية، وعضوا في النظام الخاص للإخوان المسلمين.

«وقد خرج جمال من كل حزب وهيئة وجماعة بما أراد؛ إلى جانب الأسلوب وبعض الأعوان وكثير من المؤيدين.. وحصل كذلك على تجربة.. خرج من الوفد بفكر سياسي، وبأسلوب الزعامة الشعبية التي ترضي الجماهير».. حسن العشماوي، «الأيام الحاسمة»، صفحة 75.

وفي المقابل يصفُ حيرةَ وتردد قيادات الإخوان – وهو منهم – وهو يتكلمُ عن حادث المنشية أكتوبر (تشرين الأول) 1954 فيقول: «وأدار مفتاح الراديو ليسمع خطاب عبد الناصر في الإسكندرية، وإذ بالراديو ينقل إلينا نبأ تلك الرصاصات الثمانية الطائشة التي قيل إنها أطلقت على عبد الناصر، وهو يلقي خطابه في ميدان المنشية. وكانت مفاجأة، المرشد في الإسكندرية. ولا أحد يعلم كيف حدث هذا، ولا كيف ستسير الأمور بعده! جاء يوسف طلعت يسألنا الأخبار، فقد سمع هو الآخر ما أذاعه الراديو ففوجئ به، وجاء يطلب مزيدًا من إيضاح، ولم يكن لدينا ما نقوله، وطلبنا منه هو البيان فهو رئيس الجهاز السري والمسؤول عنه. ولكنه أكد لنا أن لا علم له بشيء».. أهـ، حسن العشماوي، حصاد الأيام، صفحة 26.

إذًا المفروضُ أن مسؤول النظام الخاص لديه علمٌ وخَبَـر، ثم هو قد تتدبَّر أمرَه، ووضع حلولًا ممكنة لكلِّ السيناريوهات المقترحة والمتوقَّعة، فإذا به قادمٌ يسألُ ويستفسرُ كأحد عوام الإخوان!

فقال حسن العشماوي:
«وماذا تنوون بعد ذلك؟ كنت أسأله هذا السؤال بوصفه رئيس الجهاز السري المسؤول عنه، وعما يضم من أشخاص، وما يملك من سلاح، ولكني لم أجدْ عنده جوابًا واضحًا، لا بسبب قلة الرجال الاستعداد، ولكن لأنه كان يتخوف من أمرين يعوقانه عن التصرف: هما التدخل الأجنبي إذا ثارت قلاقل في مصر، والتشفي ممن داخل السجون بقتلهم إذا أقدمنا على أي مقاومة سافرة للوضع العسكري القائم».

قلت ليوسف طلعت في وضوح: اختطوا خطة من اثنتين: استسلموا، ولن أكون معكم، أو أعلنوا مقاومة عامة سافرة، وليكن ضحاياها في الطرفين ما يكون، وأنا عندئذ معكم أرضي وأتمنى أن أكون أول الضحايا، ولكني لم أر منه اتجاهًا واضحًا إلا إصدار المنشورات ومواصلة الاجتماعات، دون أن نُسلم أنفسنا، ودون أن نلجأ بسـفورٍ إلى المقاومة العنيفة العامة.
فقلت له: ثم يُقبض علينا في بيوتنا لنُقتل داخل السجون كمجرمين؟
قال: وماذا بيدنا أن نفعل لنمنع ذلك؟
قلت: نقاوم ونموت في بيوتنا وفي الشوارع وفي الحقول إذا شقت عليك المعركة في القاهرة فانقلها إلى الريف وليقبضوا علينا جثثًا هامدة فارقتها الحياة.
قال: «على كل حال سأراجع زملائي، ثم ألقاك»، أهـ حسن العشماوي، حصاد الأيام، صفحة 27.

وحين ذهب عبد المنعم عبد الرؤوف إلى مرشد الإخوان حسن الهضيبي، وسألَه:
ــ ما خطتُكم التي وضعتموها إذا لم تَعد الحياةُ النيابية وحُشرتم زُمَرًا في السجون؟
ــ قال المرشد: عندك يوسف طلعت وإبراهيم الطيب، اسألهما.
ــ فقال عبدُ المنعم: إنني أريدُ سماعَها من الشخص المسؤول عن الدعوة، هل أعددتم الإخوانَ لمجابهةِ الموقف من كافة النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية؟
يقول عبد المنعم: فَهَبَّ واقفًا دون إجابة واندفع نحو باب الغرفة يَفتحه.

إذًا قادةُ الحركات الإسلامية لا يُبصرون مواطئَ أقدامهم، ولا يَعرفون شَـيئًا، ولَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فمن الذي يتبقى أمامنا؟ يتبقى علماء الفقه والحديث والتفسير وعلوم الدين، لكن المشكلة أنهم جاؤوا وقت الأزمة، وسكتوا! في الوقت الذي ننتظر منهم هدايتنا وإرشادنا إلى الطريق الصحيح، وسكتوا! ومن نَطقَ منهم جانبَه الصوابُ؛ لأنه خاضَ فيما لا يُحسنه، وتكلّم في غيرِ فنِّه وتخصصه، ومن تكلَّم في غير فنِّه أتى بالعجائب. إذًا: تكوين الخبراء الإستراتيجيين هي الثغرة الشاغرة الآن في جبهة العمل الإسلامي، بل هي الثغرة التي تُؤتى منها بقية الثغرات، وتُهدم بسببها سائرُ الحصون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد