سقطت أوراق التوت، وهوى غصن الزيتون من أيدينا، وعندما حملنا البندقية بديلًا للسلام اكتشفنا أن التراب قد أرهق أجزاءها وأضاع لمعتها وأوقف فاعليتها، فعقود طويلة مرت علينا ونحن نحاول أن نمنع تلك الأوراق من أن تتساقط، ننحني مع كل ريح خوفًا من انكسار ذلك الغصن، زمن طويل مضى دون حتى أن نتذكر بندقيتنا المركونة في قاع خندق لا حارس لها سوى التراب.

هُم أرادوا لنا ذلك، بل وحَمَلُونا إليه بخططهم واستراتيجياتهم وأساليبهم القهرية المدروسة منذُ زمن، منذُ ولادة بندقيتنا وشعورهم بما لبرودِها من أثر عظيم على وجودهم، فقادونا لِما يُسلينا ويُسَهِّينا ثم يُنسينا تلك البندقية، قادونا لما يسمى (بالسلام) واستبدلوا فينا ما كانت تمنحه لنا البندقية من قوة وشجاعة ونخوة ووطنية (من رجولة)، استبدلوا كل ذلك بوريقاتٍ من التوت وبعض أغصان الزيتون، لنصبح نتمايل مع الريح ونتساقط كما الأوراق بلا حول لنا ولا قوة.

ويا ليت وقف بنا الحال إلى هذا الحد، وكأن السلام الذي يزعمون بأنهم صانعوه في شرقنا يُعاني من (السستمة) برمجة العصر، يعاني من تكنولوجيا دمار الشعوب، بل التحكم عن بعد، فبكل سلاسة نجد أن هذا السلام يبطل مفعوله داخل شعوبنا العربية فلا سلام يجوب أوصاله، وكأن سلامهم هذا يحمل شريحة تحكم عن بعد، فَيُفَعِّلون السلام متى شاؤوا ويبطلون مفعوله متى شاؤوا حتى أصبح الأمر لديهم أشبه بمسرحية أبطالها دُمى، وهم من يتحكمون بتلك الدُمى فيحركون ويتصرفون ويخططون وينفذون في المكان والزمان التي يناسبهم دون حسيب أو رقيب.

تدرجت أحوالنا من سيء لأسوأ، ومن هدف وطني إلى مطلب حياتي، ومن حق في الأرض إلى المساومة على جزء منها، ومن حق العودة واللاجئين إلى حق تأمين حاجات ومتطلبات الفلسطينيين، ومن الدفاع عن حُرمة القدس الشريف إلى الاحتماء خلف قُدسيتُها والتشريف بها، والأسوأ من كل ذلك أنهم استطاعوا أن يُحرِّفوا اتجاه صراعنا، فبدل أن يكون صراع فلسطيني إسرائيلي أصبح صراعًا فلسطينيا فلسطينيا.

مضت أجيال ترعرعت في فهم معنى الهوية، جُبلت أجسادها على حب الأرض وحماية العرض، كان يسوؤها أي سوءٍ يصيب القدس، أجيال فهمت التاريخ جيدًا وعَلِمت أن للحجارة أثرا أقوى من أثر المفاوضات، وأن الانتفاضات حق وقيامُها حريه والمشاركة فيها واجب والتماسك بها درعٌ واق. وظهرت أجيال تجهل معنى الهوية، لا تنتمي للأرض وتكفُر بأهمية العرض، لا تلعم من القدس إلا اسمها، فلا تاريخ قرأت ولا حجارة حملت وتبنت مبدأ المفاوضات حتى لفظتها الانتفاضات فلا أقامتها ولا شاركت فيها ولا تماسكت بها حتى أصبحت كما الأجذاع الخاوية لا هي محميه ولا هي حاميه.

والحقيقة الأكثر مرارة من كلمات تكتب في مقال، أو خبر تنقله صفحات المجلات، أو صور تُلتقط للظلم القائم في شوارع القدس القديمة، أو حتى صرخة أم تشتمُ رائحة الدم من ابنها الشهيد الجاثم بين أيديها، الحقيقة أننا نكاد أن نكون الشعب الوحيد الذي لا يستطيع أحد من أبنائه مهما وصل من علم وثقافة وخبرة معرفة ما سيكون (عليه الحال) مستقبله القريب جداً!، الشعب الوحيد الذي يدفع ضرائب وطنيته وصبره وتحمله على شكل ضياع أجيال كثيرة، الشعب الوحيد الذي خسر ماضية وبَكي حاضرُه وأضاعَ مستقبلُه.

فهل آن الأوان لحصد نتاج خطة موضوعة مُنذُ ما يزيد عن المئة عام (وعد بلفور)، أم أن هناك أحدًا سيقود من تبقى من الرجال لكسر تلك الأنياب القابضة على قضيتنا الفلسطينية؟!

إن الرياح في طريقها إلينا، وستزيل التراب الذي أعمانا عما تحته من حقائق، سنعلم قريبًا ما كان يُحاكُ لنا.

«ولن يرحم التاريخ أحدًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد