تصور معي أن اللحظة التي ولدت فيها، والتاريخ الذي كان قبلك وكل الحروب والمجازر التي وقعت سابقًا، أو بالأحرى الماضي بأكمله، لم يمت وما زال موجودًا، نعم ماضينا ما زال موجودًا ولم يمت بعد.

لعل أحد أروع الأسباب التي تجعلنا نعشق العلم، هو أنه يجعلنا ننبهر وأحيانًا يجعلنا نندهش ونضحك على حقيقة أننا نعلم ونفهم الواقع جيدًا، فالعلم يجعلنا ندرك مدى التفاهة التي كنا نعيشها عندما لم نكن نعرف أي شيء حول المنهج العلمي، فلقد كنا نفسر بعض الظواهر بطريقة غريبة، وكانت لدينا بعض الأفكار التي لا أساس لها من الصحة وبدأت تبدو لنا مع تعمقنا في المجال العلمي غبية لأبعد الحدود، نعم غبية لدرجة أننا أصبحنا نضحك على أنفسنا عندما نتذكر الأشياء التي كنا نسلم بها، فالإنسان دائمًا يبحث عن الإجابات السهلة والتي تريحه من التفكير والبحث والتعمق في الأشياء المجهولة، ولعل الزمن هو أحد أكثر الأشياء التي حيرت الناس عبر التاريخ، والزمن يعتبر واحدًا من بين المفاهيم الأكثر غموضًا بين المفاهيم الفيزيائية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه دائمًا هو مالذي يجعل الماضي ماضيًا والحاضر حاضرًا؟

عندما نشاهد الضوء، نعتقد أنه يصل في تلك اللحظة دون أن يحتاج لزمن معين لكي يصلنا، لكن عندما نرفع رؤوسنا إلى السماء نبدأ نشعر بسرعة الضوء والمسافة الطويلة التي يقطعها لكي يصل إلينا، فهناك أشياء بعيدة جدًا عنا، فالقمر على سبيل المثال يبعد عنا بثانية ونصف ضوئية، أي أننا لا نرى القمر كما هو الآن، بل نراه كما كان ثانية ونصف، والشمس كذلك، فهي تبتعد عنا بثمانية دقائق ضوئية، بحيث إن أشعة الشمس التي تدخل عبر النافدة هي في الحقيقة أشعة سافرت لمدة ثماني دقائق في الفضاء لكي تعبر تلك النافدة. لكن إذا نظرنا بعيدًا بالتلسكوب سنجد أن هناك نجومًا تبعد عنا بسنوات ضوئية، وهذا يعني أننا نرى تلك النجوم كما كانت قبل سنوات وليس كما هي الآن، وعندما نقوم بتوجيه التلسكوبات نحو «بروكسيما سنتوري» أقرب نجم إلى نظامنا الشمسي، والذي يبعد عنا بـ 4.2 سنة ضوئية، فهذا يعني أننا نراه كيف كان قبل 4.2 سنة، لأن الأشعة التي يرسلها هذا نجم تسافر في الفضاء لمدة 4 سنوات لكي تصلنا، ومن كل هذا نفهم أن عندما نراقب السماء بالتلسكوب يعني أننا ننظر إلى الماضي، نعم فنحن نرى المجرات كيف كانت قبل ملايين السنين، أيوجد ما هو أروع من هذه الحقائق الكونية التي تجعلنا نشعر بالخشوع الكوني؟، ربما قد تجد هذا غريبًا بعض الشيء إذا قرأته لأول مرة، لكن هذه هي حقيقة الزمن في هذا الكون، فهذا الأخير نسبي ولا ينساب بنفس الكيفية في جميع أرجاء الكون، ولكن طريقة انسيابه تختلف من مجموعة لأخرى، لذلك فالزمن المطلق تصور خاطئ حسب النظرية النسبية لألبرت أينشتاين.

تخيل معي أن هناك كائنات فضائية تعيش في كوكب يبعد عنا بـ 20 سنة ضوئية، وقامت هذه الكائنات بتوجيه تلسكوب نحو الأرض، فهم سيروننا كما كنا قبل 20 سنة وليس كما نحن الآن، أي أنهم سيشاهدون كوكبنا كما كان سنة 1997، فإذا كان عمرك أقل من 20 سنة، فأنت ما زلت لم تولد بعد بالنسبة إليهم. والأروع من كل هذا هو أن اذا وضعت هذه الكائنات مرآة كبيرة على كوكبها وحملنا تلسكوبًا ونظرنا مباشرة نحو تلك المرآة، فنحن سنرى أنفسنا قبل 40 سنة بالظبط أي أننا سنرى ماضينا، وإذا كان هذا الكوكب يبعد عنا بـ100 سنة ضوئية فهذا يعنني أننا سنرى أنفسنا كما كنا 200 سنة، واذا كان يبعد علينا بـ1000 سنة ضوئية فهذا يعني أننا سنرى أنفسنا كما كنا 2000 سنة، واذا كان هذا الكوكب يبعد علينا بملياري سنة فهذا يعني أننا سنرى مراحل تكون كوكبنا الأزرق.

ومن كل هذه الأشياء نستنتج أن كل كل الأحداث التي وقعت على كوكبنا هذا، لم تمت وما زلت تسافر في الفضاء بسرعة الضوء ويمكن رؤيتها من مكان ما في الفضاء، لذلك فنعم، ماضينا لم يمت بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد