(1)
في عام 1961 قام أستاذ علم النفس الاجتماعي مظفر شريف ذو الأصول التركية بتجربة مثيرة للاهتمام حقًا في مجال دراسة العقل الجمعي: جمع 22 طفلًا من الصف الخامس لتجربة ثلاثة أسابيع في معسكر تخييم صيفي خارج مدينتهم أوكلاهوما، تم فصلهم إلى مجموعتين كل مجموعة ذهبت للمعسكر في أتوبيس منفصل وفصلت بين استراحتهم نصف ميل، مر الأسبوع الأول وبالكاد لاحظت كل مجموعة الأخرى لانشغالهم بأعمال التخييم كإعداد الطعام وتهيئة المخيم ولكن تعاون أفراد المجموعة أشاع جوًا من الألفة والحميمية وبدأوا يطلقون على بعضهم الألقاب حتى أن كل مجموعة أعطت نفسها اسمًا: النسور والثعابين.

 

تكونت إذن هوية للجماعة وهنا بدأت الأمور تتداعى، اكتشفت مجموعة الثعابين أطفالًا من النسور في “ملعبهم” وبدأ احتكاك بينهم، قرر شريف أن المسرح الآن معد لتجربته فتم اقتراح مسابقات تنافسية بين المجموعتين كمباريات بيسبول والبحث عن الكنز إلخ. عندها يصبح التنافس بينهم واضحًا ويتضمن نصرًا أو هزيمة.

 

كانت النتائج كارثية! روح التنافس وتعصب الجماعة أشعلت المنافسة لتصبح حربًا مفتوحة بين الطرفين بدأت بتبادل السباب أثناء المنافسات ومرورًا بتقاذف القمامة ونهب كل معسكر للآخر وحرق راياتهم وانتهاءً بمشاحنات وتقاتل بالقبضات، عندما طلب منهم إبداء رأيهم في أعضاء معسكرهم كانوا يصفوهم بالشجاعة والود والقوة وبالنسبة للمعسكر الآخر كانت آراؤهم تتنوع ما بين الذم والسباب.

كيف لذلك أن يحدث؟ 22 طفلًا بمعدل ذكاء فوق المتوسط ومن نفس الخلفية العرقية والاجتماعية والثقافية ينتمون ويتعصبون ويقاتلون بمنتهى العنف من أجل شرف الجماعة في 21 يومًا فقط؟

 

(2)
لسنا أكثر حكمة من الأطفال على أي حال، يذكر مصطفى حجازي في كتابه “التخلف الاجتماعي” أن الإنسان عادة ما يميل إلى تكوين جماعات والالتحام بها حالما يدرك ضعفه أمام الأخطار الخارجية وهو بالضبط ما لجأ إليه أطفال المخيم بعدما أدركوا حاجتهم إلى التعاون ليصمدوا في حياة المعسكر ومتطلباتها، المشكلة تكمن لدى ذوبان الفرد في الجماعة ليعوض شعوره بالعجز وفقدان الهوية باحتمائه بالجماعة فعندها يتوحد الشخص مع جماعته وينقسم الوجود إلى “ما داخل الجماعة” و”ما خارجها” حيث الداخل هو الأمن والخير والهوية والانتماء والخارج هو الخطر المحدق بالجنة المزعومة، وهكذا تنزوي الجماعة وتتقوقع إلى الداخل في حذر وتوتر من تهديدات الخارج وهنا تبدأ الأمور في أخذ منحنى أكثر تطرفًا.

تميل نقاشات الأفراد ذوي الآراء المتشابهة إلى توكيد نزعاتهم الأصلية لا أكثر، بوجود قدر محدود من المعلومات المتاحة كلها متاحة من الأساس لتوكيد رأي المجموعة يصبح الناتج النهائي رأيًا أكثر ثقة بدون آراء معارضة تخلق حالة من التشكيك وعدم اليقين؛ لذلك نرى أكثر المجموعات تطرفًا ونرجسية أكثرها انزواءً فتتضخم قيمة المجموعة وتتضخم قيمة أعضائها بالتبعية، وهو ما تهدده أية معلومات تعارض نرجسية المجموعة أو تعظم من قيمة “الخارج”، لذلك تميل المجموعات المنعزلة إلى تصفية المعلومات للحصول فقط على ما يناسبها وما يدعمها، يعظم من أفعالها ويكسبها ملائكية مزعومة وتبرر أخطائها أو تكسبها قناع العدل والانتقام ويحصر الآخر في الشر المطلق والاعتداءات الغاشمة، بينما في الحقيقة كلنا أطفال في الصف الخامس!

الآن فقط تذكر كم مرة سمعت قصة عن إسلام فلان أو علان لكرم معاملة تلقاها من مسلم وكم مرة سمعت قصصًا عن وحشية اعتداءات اليهود وجبنهم على مدى التاريخ، كم مرة منعنا كتبًا وأفكارًا تعارض معتقداتنا وكم مرة سمعنا قصصًا عن مؤامرات البابا والحرب لمجرد الحرب على الإسلام من أمريكا وحلفائها الصليبيين ناهيك عن المؤامرات اليومية التي يكشفها لنا قاهر الماسونية الأستاذ سامح أبو عرايس، تذكر كل ذلك وتساءل.

 

(3)
هل نحن مخلصون في تعصبنا؟ هل نتعصب لقتل المسلمين أم لتشويه صورة الإسلام؟ أم فقط لأننا متعصبون؟ في 2006 بعد نشر الرسوم المسيئة للرسول (ص) تظاهر مئات الآلاف من المسلمين على مستوى العالم وأضرمت النيران في سفارتي الدنمارك والنرويج في سوريا وقنصلية الدنمارك في بيروت وقتل عشرات المتظاهرين بالإضافة لحوادث اختطاف أجانب … إلخ. والسبب أن الرسوم كانت إهانة للمسلمين والإسلام وتشويه صورة النبي وتصويره كإرهابي.

 

ولكننا نرى الآن ما هو أكثر خطرًا على صورة الإسلام من مجرد رسوم كاريكاتير وهو استفحال 60-70 ألف جندي في مدن الأراضي العربية يمارسون القتل الوحشي للمسلمين وغير المسلمين ويشوهون صورة الإسلام باعتمادهم على نصوص دينية وتفاسير أئمة وتابعين ولكننا لا نرى مظاهرات وضغوطًا شعبية للتدخل بل أن بعض الأحزاب في مصر تتحفظ من دعم تحالف الـ 40 دولة والبعض يقول نقتلهم نحن لا أمريكا! هذا بالطبع لأن “الآخر” لا يمكن له أن يقتل منا فهذا يثير حفيظتنا حتى وإن رغبنا نحن في القتل مكانه.

 

حرب إسرائيل على غزة الأخيرة أفردت لها الصحف مقالات من العواطف الجياشة عن اليهود الجبناء وقتلهم لمدنيين وأطفالًا ونساءً فيما يقارب 2147 “شهيدًا” وتشريدهم لأضعاف أضعافهم بينما هذا الرقم لا يكاد يقارب أعداد ضحايا مذبحة سبايكر فقط – 2200 “قتيلًا” هكذا تلقبهم الصحف في مصر- التي ارتكبها الدواعش ولا يقارب الرقم الـ 1.2 مليون نازحًا و11 ألف قتيلًا في ستة أشهر حسب تقرير العربية.

 

وبينما تكاد أخبار داعش في مصر تقتصر على شكل مهني جاف ومقالات الرأي تتكلم برصانة لم نعهدها عن الأزمة الحالية كيف وصلنا لها وطرق الخروج منها، تمتلئ الجرائد بمقالات النواح عن الوضع المأساوي في غزة وشر الـ “آخر” المطلق وجرائم الحرب والقوافل الطبية والتبرعات المادية بدون ذكر لضرورة فتح المعبر للمصابين مثلًا، هذا طبعًا لأن اهتمامنا الأساسي لا ينصب على الفلسطينيين ولكن في فكرة تعجب نرجسيتنا “كره الآخر لنا ومدى شره”.

إذا كنا نثور لتشويه صورة الإسلام فما لنا نتجاهل تجاوزات داعش! وإن كنا نثور لقتل المسلمين فما لنا نتجاهل تجاوزات داعش أيضًا؟ الحقيقة أن داعش بشكل ما خارج اهتمامنا بـ “الآخر” فهي لا تؤذينا بشكل مباشر كمصريين فلسنا في وضع تنازع ديني أو وطني يضعهم في خانة “الآخر” فلن يتبقى لنا إلا التبرؤ منها بينما الرسوم المسيئة وحصار غزة ارتكبه “الآخر” وكان هذا فقط كفيلًا بتنشيط كل مشاعر الكره والتعصب ليس إلا.

هل يفسر ذلك تعاطفنا مع بورما رغم أن معظمنا لا يعرف ما يحدث هناك أو مكان “هناك” على الخريطة أصلًا! وتجاهلنا مثلًا لأحداث جارية مثل الأوضاع الحالية في أوكرانيا؟ إن لم تكن تعرف ما يدورهناك فأنت كبداية تثبت وجهة نظري! إن لم يشعرنا الحدث بأهمية ما، كنزاعنا مع “الآخر”، كيف نهتم؟

 

لدينا كلنا ميل طبيعي للتعصب كطفل في الصف الخامس حتى وإن لم تكن هناك اختلافات عرقية وثقافية فهمنا الأساسي هو الحصول على هوية والشعور بالأهمية والقوة، وقد تساهم الاختلافات في خلق كره وتعصب وحروب إن وجدت مع وجود تنافس وتوتر حذر في الأجواء، لا شيء مميز هناك، لا تعصبًا لإسلامنا، لعروبتنا أو لوطننا مصر، فقط لأننا بشر مقهورون نفتقد إحساسنا بالأهمية والقوة.
نحن متعصبون مخلصون فقط لشعورنا بالأهمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد