الإيمان هو ما وقر في القلب وصدّقه العمل، ومشكلتنا أننا طبقنا الجانب الأول فقط وتناسينا الجانب الثاني، وحتى الجانب الأول ما طبقناه حقّ تطبيقه، فلو آمن القلب لكان العمل نتيجة حتمية، فترى الشخص يؤمن بالله ورسله وكتبه، ولا يتبع ما قاله الله تعالى في كتابه ولا يتبع ما أمر به الرسول صلّى الله عليه وسلم، أما أن يقول الشخص أني مؤمن بقلبه ولا يصّدق ذلك بعمله فهنا نتساءل أين ذلك الإيمان وكيف انعكس على حياة هذا الشخص، وهل يكفي أن يؤمن قلبك ولا يصدق ذلك عملك، فتقول أني مؤمن؟

والإيمان درجات، قوة وضعف، قد يقوى إيماننا أحيانًا فنكون في أوج درجات العطاء، وقد يضعف ويذبل أحيانًا فننقلب بذلك عاجزين عن تحقيق العمل اللازم لاكتمال الإيمان.

وإن تحدثنا عن الإيمان فلا نتحدث عنه فقط من جانب الدين الإسلامي، فهناك من يؤمن بفكرة ويعيش لأجلها، وهناك من يكمن إيمانه في أنه لا يؤمن بشيء محدّد بل يعتبر نفسه مؤمنًا بالإنسان، وأي تطور وتحول في أمّة ما لا بد أن يسبقه إيمان قويّ يكون وقودًا تسير به تلك الأمة في طريق التطور والازدهار، وما وصل إليه الغرب اليوم من تطور مادّي ما هو إلا نتيجة لأفكار آمنوا بها وحقّقوها بالعمل على أرض الواقع، وما وصل إليه المسلمون اليوم من ذلّ وهوان ما هو إلا نتيجة ضعف في إيمانهم أو لنقل انعدام له وتزعزع كبير فيه، فأعقب ذلك بحث عن الإيمان من مصادر أخرى، وصار المسلم يبحث عن الإيمان في أفكار الغير علّه يتطّور كما تطوّروا، فهناك الكثير يريد أن يطبق الإسلام عملًا ويؤمن بأشياء تناقضه، وهذا تناقض كبير لا يؤدي إلى أي نتيجة، أو ترى البعض يؤمن بالمبادئ الإسلامية ويعمل أعمالًا يُصدق بها أفكارًا أخرى، وهنا التناقض الأكبر.

وحين يفرغ الإيمان من القلب لن يبقى لصاحبه إلا الموت أو الانتحار طريقًا يتخلص بها من عبء هذا الجسد الذي يضنيه، فنحن نؤمن لنعيش ولنستمر في العيش ولنعمل وفقًا لما نؤمن به.

حين جاء محمّد صلى الله عليه وسلّم برسالة الإسلام، طلب من سكان مكة جملتين فقط: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله». جملتان تُلخّصان كلّ شيء، حين تقولهما، فإنك تكون قد حكمت على نفسك باتباع كلّ ما يأمرك الله به، واتباع كلّ ما جاء على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

بغض النظر عن ما ستُؤمر به، بتسليمك لذلك فإنك تُسلم تسليمًا مطلقًا لا شك ولا ريب فيه أنّ الله هو خالقك، وأن محمدًا هو رسوله، وأنه لن تكون لك الخيرة من أمرك فيما بعد،  ربما كان هذا هو السبب الرئيسي وراء تعنّت مشركي قريش في البداية، التخلي عن هوى النفس ليس بالأمر الهيّن، التخلي عن الكثير من الترسبات الماضية، والقناعات التي لا شك ولا ريب فيها بالنسبة لهم، مقابل كلمة واحدة قد تقلب حياتهم رأسًا على عقب، كانوا يعلمون جيدًا بالآية: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (الأحزاب-36)» حتى قبل أن تنزل، كانوا يعون جيدًا خطورة الأمر الذي هم مُقدمون عليه.

لذا كانوا يحتاجون لدليل قاطع، دليل يخاطب وجدانهم، يخاطب أرواحهم بالدرجة الأولى، فكان القرآن هو الدليل، هو الحجّة الدامغة، هو الذي نافس العرب في بلاغتهم، لكن ليس هذا فحسب، من قصة إسلام عمر رضي الله عنه مثلًا -وهو من أشد القوم- نجد أن بلاغة القرآن وقوّته اللغوية ليست السبب الرئيسي، وليس دقة القرآن اللغوية هي المعجزة التي فتحت القلوب، إنما هو هو، هو في حدّ ذاته، في آياته، في معانيه، في صوت الحق الذي يصدح به في أعماق القلب، ثم حين، يتيقّنُ القلب، فليس للإنسان من أمره شيئًا، إلا أن يُسَلِّمَ، ويُسْلِمْ، ثم بعد أن استقرّ الأمر، بدأت التشريعات، وبدأت العبادات الأخرى، كنتيجة سببها الإسلام، وليست كبناء يقوم عليه الإسلام، فالعبادة الشعائرية، فردية كانت أو جماعية لا تصنع الفرد المسلم، أما كلمة «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» فتفعل بالتأكيد.

فالإسلام ليس مجموعة من عبادات، أو تعاملات أو أخلاق، إذا قمت بها جميعًا صِرت تُمثّل الإنسان المسلم، الإسلام هو تسليمك بأن الله هو خالقك، وأنه الإله الواحد، الفرد الصمد، وأنّ محمدًا عبده ورسوله، هذا التسليم كافٍ، كافٍ لأنه لا يقوم إلا بقيام ما جاء به القرآن وما جاء على لسان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

فحسب رأيي، أي تفسير للعبادات تفسيرًا آخر غير أنها أوامر من الله، هو تفسير واهٍ وناقص، كأن تقول لشخص ما غير مسلم يسأل عن سبب الصيام، فتجيبه بأنه جيد للصحة! صحيح هو جيد للصحة، لكنه ليس سبب الصيام، سبب الصيام هو أن الله أمرنا بذلك، لم أمرنا بذلك؟ لا يعلم ذلك إلا لله، وكلّ ما يمكننا معرفته، هو قليلٌ من فوائد الصيام، وكذلك الأمر مع كلّ العبادات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد