ربما يُصبح الحديث عن حالة «الخمول الشديدة» التي تعاني منها الأحزاب المصرية ليس جديدًا؛ فعلى الرغم من وصول عدد هذه الأحزاب السياسية إلى أكثر من 104 أحزاب، فإنّ المواطن المصري لا يعرف أغلبها، ولا يتفاعل معها، وفي أحايين كثيرة يكون الانضمام إلى أحد هذه الكيانات من باب «الوجاهة الاجتماعية»، أو استغلالها للوصول إلى عضوية مجلس النواب المصري.

الحديث الأبرز لقيادات هذه الأحزاب وأعضائها، يُرجع سبب ضعف هذه الكيانات إلى «التدخلات الأمنية» التي استمرت من عهد الرئيس المصري الأسبق محمد حسنى مبارك وصولًا إلى عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، ثم يبرز حديث آخر يتعلق بضعف الموارد المالية للأحزاب، وعدم إفساح المجال لها للعمل على الأرض، وعرض برامجها على المواطنين، وهي في كل الأحوال مبررات واقعية لا يمكن نفيها، ولا يُمكن نفي المسئولية الحكومية عنها.

لكن هناك سببًا آخر مهم لضعف هذه الأحزاب، وعدم تفاعل المصريين معها، وهو عدم «اشتباك» أغلب هذه الأحزاب مع القضايا التي تهم المواطنين، وتركيزها على مناقشة موضوعاتٍ تبدو «نخبويةً»، فضلًا عن أنّ «القبضة الحديدية الأمنية» على هذه الكيانات السياسية تسببت في أن تكون «غارقةً» في التصفيق للنظام السياسي الحالي بقيادة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومُباركتها لأي وجهات نظرٍ أو قراراتٍ يُصدرها هذا النظام.

يوميًا أتلقى على الإيميل عشرات البيانات من أحزاب يكون خطاب أغلبها منصبًا على «التأييد»، «الدعم»، و«الإشادة» بالقرارات التي يتخذها النظام، حتى أنه في كثير من الأحيان لا يكون نشرها مهمًا.

وربما لعدم جدوى كل هذه الأحزاب ظهرت الدعوة لـ«دمج» المتشابه منها، لدرجة أنّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تحدّث في أبريل (نيسان) 2018 عن ضرورة التقارب والتحالف بين هذه الأحزاب.

كما ظهرت مبادرة جديدة مؤخرًا من الكاتب ياسر رزق، الصحافي المصري المقرب من الرئيس عبد الفتاح السيسي، ودعت هذه المبادرة لضرورة إجراء حوارٍ بين الأحزاب المصرية خاصةً «الوفد» و«مستقبل وطن» لتنفيذ مبادرة تستهدف دمج المتشابه منها في البرامج والأفكار والتوجه السياسي.

وعند الحديث عن الأحزاب المصرية لا يمكن إغفال وجود عددٍ منها يُحاول «المشاغبة» وطرح وجهات نظرٍ قد تكون مناهضةً للنظام المصري، ومنها «الدستور» الذي أسسه الدكتور محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية لـ«الطاقة الذرية»، ونائب الرئيس الأسبق للشئون الخارجية، و«تيار الكرامة» لمؤسسه المرشح الرئاسي الأسبق حمدين صباحي، وكذلك «التحالف الشعبي الاشتراكي» الذي أُلقى القبض على قياداتٍ منه خلال فترة الأحداث السياسية «القلقة» التي شهدتها الدولة المصرية بدءًا من 20 سبتمبر (أيلول) الماضي.

في القائمة أيضًا «المصري الديمقراطي الاجتماعي» وهو حزب يراه كثيرون أنه «كيان نُخبوي» أسسته شخصيات شهيرة مثل: الدكتور محمد أبو الغار، والدكتور حازم الببلاوي، رئيس الوزراء الأسبق، والدكتور زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء الأسبق، والدبلوماسية المصرية ميرفت التلاوي، وهو من الكيانات السياسية التي لها وجهات نظر معارضة للسلطة، كما يبرز حزب «المحافظين» الذي يحاول «الاشتباك» قليلًا مع قضايا تهم المصريين، والذى أعلن صراحةً رفضه لـ«التعديلات الدستورية» التي أُجريت في أبريل الماضي، وبلغ عدد الموافقين عليها 23 مليون و416 ألف و741 ألف بنسبة 88.83% من الأصوات الصحيحة.

الأزمة التي تعاني منها هذه الأحزاب القليلة التي تحاول «التغريد» خارج سرب النظام المصري تتركز في «التضييق الأمني» عليها، وعدم إفساح المجال أمامها في ممارسة حقها بالعمل السياسي، حتى يبدو أنّ هذه الكيانات رفعت «الراية البيضاء» مستسلمةً للأمر الواقع.

وبعيدًا هذه الكيانات، فإنّ أغلب الأحزاب الموجودة على الساحة دخلت «دائرة الطاعة»، ويلقى بعضها دعمًا مباشرًا من أجهزةٍ سياديةٍ في الدولة، ويتم «هندّسة» المشهد الانتخابي المقبل في 2020 لصالحها، وفي نفس السياق شكّلت عشرات الأحزاب الأخرى تحالفاتٍ واحدةٍ تدعم النظام السياسي المصري الحالي، ويطمع أغلب قياداتها في «حجز» مقعد بالبرلمان المصري المقبل؛ سواء عن طريق التعيين أو الترشح على القوائم الانتخابية المدعومة من الدولة، على الرغم من عدم وضوح النظام الذي ستُجرى على أساسه الانتخابات المقبلة، ويبدو حتى الآن «مشهدًا غامض» ولا نعرف هل السيطرة ستكون للقوائم الانتخابية أم للنظام الفردي؟

الخلاصة أنه على الرغم من اقتراب الانتخابات المقبلة في مصر؛ «برلمان، مجلس شيوخ، محليات»، فإنّ هذه الأحزاب تُشبه «الرجل المريض»، فضلًا عن «خمول» الحياة الحزبية المصرية؛ ربما ترقبًا للمشهد المقبل، أو خوفًا من عصا السلطة «الغليظة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد