صعد الشيخ المنبر في ذلك اليوم ليخطب في الناس واعظًا، ولطالما تمنيت أن يكون كل من في مثل مكانه لائقًا بحجم المهمة المطلوبة وكلفة الرسالة المؤداة، لطالما تمنيت أن تكون كلماتهم ما أنزل الله وما قال الرسول، لا ما أوجب الرئيس وأمرت الحكومة. ألا يعلم من يرتقون هذا المرتقى العظيم – مرتقى الدعوة والرسالة – أنهم في موضع لا يليق به النفاق والمداهنة ولا تصلح فيه الخيانة والمداراة!

شرع الرجل يقول إن سبب التردي الاقتصادي والفقر المادي هو نحن ولا سوانا، وأن خراب البلاد سببه سيئات أعمالنا وكبائر معاصينا، ويوشك أن يجعلنا مع الشياطين في مرتبة واحدة من حيث الإثم والفجور، ولولا تحرجه لقال إن حفرة النار تنتظرنا خارج الجامع!

أنا لا أجد شكًا في أن ما يصيبنا سببه سيئات أعمالنا وصنائع أيدينا، نعم هذا صحيح لا سبيل للريب فيه، إلا أنه حق يريدون به الباطل دائمًا، يبثون في الناس هذه الرسالة دائمًا لا ليدلوهم على باب التوبة والرجوع ولكن ليزرعوا فيهم الذل والخنوع، أليس فساد هذا الحاكم سبب البلاء على الرؤوس! أليس ظلم هذا الرئيس مصدر وبال على الشعوب! لماذا لا يلتفتون لهذا كله! أوليس موجب العدل أن نطرح جميع الأسباب؟ فنقول نعم إن هناك إثمًا وفجورًا بين الناس أوردهم المهالك، نعم هذا صحيح، ولكن ثمة شيئًا آخر. ثمة حاكم ظالم مستبد لا ينصلح مع طغيانه مع حال ولا يستقيم مع تجبره مآل، ألا يعلمون أن التسلط على الفقير والتجبر على الضعيف كفيلان بالتردي إلى أسوأ حال بل كفيلان بالوقوع في أعمق قعر من أبعد بئر في أقصى الأرض ثم لا قيام!

أليست أولى خطوات الإصلاح هي رفع الظلم! أليس أول شروط التوبة رد المظالم! فلماذا لا يبثون هذا في الناس! لماذا يؤمنون ببعض الكتاب إن كان فيه نفاق للسيد، ويكفرون ببعضه الآخر إن كان فيه جرأة وحق! وكيف يعقل أصلًا أن يرتفع بناء أساسه أنات وآهات! وحتى إن ارتفع فسيسقط، يُسقطه الغضب حين ينفجر ويهدمه المغصوب حين ينتقم.

ثم يهم الرجل بإنهاء خطبته بالدعاء، فيدعو بالتوفيق لحاكم البلاد وبالصلاح للبلاد، فصمتّ في الأولى، وقلت آمين في الثانية ولكن على استحياء، فكيف نقول يا رب أصلح بلادنا بينما نحن لا نتخذ الأسباب والتدابير المؤدية لاستجابة دعاء كهذا، كيف نصفع المظلوم على وجهه في النهار، ثم نرفع أيدينا في الليل يا رب أصلح حالنا، كيف نستولي على مال الفقير في النهار ثم نقول في الليل يا رب أغنِ بلادنا، كيف نستقوي على الضعيف في النهار ثم نلجأ لله في الليل أن وفق بلادنا. خبروني بالله كيف يستقيم هذا مع ذاك؟

السجون في هذه البلاد من شمالها لجنوبها ومن شرقها وغربها تعج بالمظلومين، هؤلاء المظلومون لا ينامون الليل من فرط الدعاء والابتهال ومن ورائهم أهل وأبناء هم أشد منهم في التضرع والدعاء، والفقراء لا حصر لهم ولا عد يرفعون أيديهم في كل نافلة وفرض، وإخوانهم المقهورون لا يكفون عن مثل ما يصنعون، كل هؤلاء في جانب واحد اتحدت قلوبهم وتوحد دعاؤهم، بينما نحن على صعيد آخر شركاء في الظلم إذ نحن الصامتون عنه المسارعون فيه، نحن أعوان الظلمة نعاونهم في النهار وننافقهم في الليل! ونحن كذلك نرفع أيدينا لله! هل تعتقدون أن الله – العادل – يسمع لنا إذ ندعو ولا يسمع لهم! حاشاه تعالى. هل تظنون أن أبواب السماء تقبل دعاءنا وترد دعاءهم! فأي الفريقين أولى بإجابة الدعاء ونصرة السماء!

الظلم مؤذن بخراب العمران.
ابن خلدون

أساسًا من يشككون في حقيقة الحساب والقصاص كمن يشككون في وجود إله مسير للكون، فكيف نؤمن إذًا أن ثمة إلهًا مطلعًا على الأحوال ثم نشكك في مآل الظلم وبواره! وكيف نؤمن أن ثمة إلهًا لا يرضى بالظلم ثم نشكك في مصير المظلوم ونصرته!

إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد