بعيدًا عن كل ما تقوله كتب التربية، الأمر عزيزتي الأم يعنيكِ وبشدة. لم يخطئ شوقي حين أخبر أن الأم مدرسة، لكنّه خطأ الأب قطعًا إن أخطأ في اختيار مدرسة لا تجيد صناعة العظماء.

ووجود أجيال غير منضبطة وغير متوازنة لا يعكس سوى اضطرابك وقلة حيلتك عزيزتي الأم. يقول شوقي أيضًا إن الأم أستاذ الأساتذة، كيف تكون كذلك من انهمكت في تعليم ابنتها فنون الرقص والطبخ وشغلت فراغها في البحث عن وصفات لتبييض وتفتيح البشرة وجوجل يعجّ بالكثير الكثير من الأسئلة المشابهة؟ في جلسة تفكر بين جلسات (النسوان) السابقة والحالية، ببساطة ستكتشف أنّ جدتك تلك البسيطة الأمية ربما أنشأت وربت أبناءً يشهد لهم المجتمع على الأقل (بالكفاءة) وأنهم كانوا كما نقول «قد حالهم»، أما الآن وفي أحاديث النساء اللا منتهية تجد تلك التي تفخر بأنها لا تود أن تنجب أبناءً -رغم وصولها حدود الثلاثين- حتى لا تؤخر إنجازاتها اللامعة، وتضيف أخرى أنها ابتليت بثلاثة أبناء! وأنّها تحتار كيف تصرفهم عنّها وتشغلهم بعيدًا عنها، متناسية أنّ كثيرات غيرها يكاد لا يخلو ليلهنّ من دعوات ملحة بأن يرزقن بما تسميه «ابتلاءً». تظنّ إحداهن أنّ حياتها وإنجازها خير لها من استثمار أبنائها، وأن وظيفتها لها حق عليها، أما أولئك الذين أنجبتهم فلا حق لهم عليها ويحقّ لها حينها أن تضربَ بهم عرض الحائط أو ترمي بهم في إحدى الحضانات علهم ينالون نصيبهم من التربية الحسنة بعيدًا عنها! أو تتكرم عليهم بجلب خادمة تعلمهم ما هبّ ودب وتأدبهم بأدبها إن لم يتحدثوا بلغتها حتى.

وأخرى تجدها تتفننُ في إبعادهم عنها والتخلص منهم بل وإخبارهم حتى أنهم مصدر إزعاج لها ولا تبرح تخبر صديقاتها كم الآلام التي تعانيها منهم وكم إنجازاتها المعطلة بسببهم، ويْكأنها صلاح الدين المنتظر فاتح الفتوح وبلسم الجروح، التربية مسؤولية، واختيارك عزيزتي الأم طريق الزواج يعني أنك بالضرورة مسؤولة عن بضاعتك! أو ببساطة رديها عليكِ.

أما ما نراه من أعداد متزايدة للخاملين والمتكاسلين فلكِ الحق في أن تبذلي قليلًا وتجتهدي علّك تؤجرين على تعبك وتفرحين بعظماء تفخرين أنّك أستاذتهم الأولى. الأبناء نعمة ومسؤولية لا تعب ونكد -كما تدعين-. رزق من رب كريم وليسوا باب حزن وهمّ وابتلاءات متحركة. والنعم تزول إن لم تحفظ، ونعم كالأبناء تزول حين ترينهم كبارًا عاقين متمنية لو عاد بك الدهر يومًا لتربيهم أحسن تربية، مع العلم أنّ كل أم تظنّ أنها قامت بذلك!

ومع العلم أيضًا أن جميع الأمهات درسن منهاج الأمومة ذاته من فن غلي الأعشاب والزهورات والقرفة والزنجبيل، كما أنهن درسن علم الطب المختصر في إضافة العسل إلى كلّ الخلطات كما درسن علومًا شتى تقتضي أن يقضي الابن طفولته في حالة من (العلف له، ويْ كأن حياته تختصر في الأكل والمرعى،-مع عدم التعميم- ليكبر أعوامًا لاحقة ويلومها على تقصيرها في إطعامه الذوق والخلق، وحسن التعامل مع الغير.

تجدها بعد عمر طويل لا توفر جهدًا ولا نصيحة مرشد نفسي علّ ابنها يعود لها، ولا يصلح العطار ما أفسده الزمن! ولا يصلح مرشدٌ ما أفسدته أمٌ بتربيتها العشوائية. ولا تصلح الدنيا ولو اجتمعت ما أفسدته مزاجية الأم في تربية الأبناء وما أحدثته من خللٍ يصعب تداركه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد