من قال إن آفة حارتنا النسيان كان في الحقيقة يسكنها، إن كان صحيحًا قول نجيب محفوظ، فكيف حين ينسى بعض سكان حارتنا أحداث الحارة ويتذكرها السكان الآخرون، آفة حارتنا حقًّا من يتذكرون ومن ينسون، وإن أحققنا الحق قدر ما نتذكر «آفة حارتنا متى يتذكرون ومتى ينسون».

لدي مشكلة بسيطة مع النسيان والتذكر، مشكلة بسيطة للغاية بما أني أحد سكان الحارة، عندما كنت صغيرًا كانت لدي مشكلة في نطق بعض الحروف، أصلحها لي حفظي للقرآن الكريم، ولكن المؤسف أن كلما كسرت أمي برطمانًا في المطبخ، أو قتل مهربو المخدرات جنديًا، أو مات طفل في حضانته في المشفى، أو أسقط والدي رغمًا عنه ثلاثة جنيهات فضية، تذكروا جميعًا أنني لم أكن أجيد النطق، وكل لبيب بالإشارة يفهمُ.

وإن لم تكن لبيبًا، فلبيب المقصود في الفقرة السابقة هو صديق لي اسمه لبيب السيد العربي، ذات يوم كنت أجلس معه فهو صديق مخلص للغاية، ويتسع صدره لكل شيء، أشرتُ إليه بأن لدي مشكلة في تذكر الناس ماضيّ البائس، ولأنني أميل للحكاية وهو أيضًا يميل إليها، شرعت أحكي له وهو يزداد إصغاءً لي.

قلتُ له إن أمي تضعني في ذاكرتها بجوار ذكريات أماكن الأشياء في المطبخ، إن نسيت أنها تضع ماءً على النار تتذكر بأني خلعتُ أسناني عند طبيب أسنان، وإن انكسر رغمًا عنها برطمانًا في المطبخ فأمي تتذكر قصة أنني لم أكن أفقه قولًا في صغري، وإذا تشتت تركيزها وانفلت عقلها من ضجيج تذكرها إياي واستحال العالم حولها إلى كوارث طبيعية وغير طبيعية تشرع في أن تسبني، وقد تشرع في طردي من المنزل.

اُذهل صديقي لبيب، فأشرتُ إليه إلى أبي، قلتُ له موضحًا سبق معرفته بطبيعة أبي، وأن أبي ربما يقضي ساعات طوال خارج المنزل دون أن أراه أو يراني، وفي بعض فترات عمري قضينا أشهرًا دون أن يرى بعضنا الآخر، أومأ برأسه موافقًا على كل ما أقول، قلتُ له إنني كنت في أسوان فاتصل بي ليملص أذني، كان في ذلك الوقت قد مضى على خروجي من المنزل أسبوع كامل، ولكن أوضح أبي أن الثلاثة جنيهات الفضية التي سقطت من جيبه، كان السبب وراءها في الحقيقة هو تذكره الحروف التي لم أكن أجيد نطقها في أوائل طفولتي.

نظري لي لبيب وبدأ يوضح أن أبي وأمي إن كانا غير مفهومين ومبهمين بعض الشيء إلا أنهما يحباني، فأنا ابنهما الأصغر وكل أب وأم يريدان أن يكون ابنهما أفضل منهما، يميلان بعطف اتجاه أن يظل عظيمًا في نظرهما، وليس من المعقول أن يفكر أب مثلًا بإدانة ابنه، أو أن تفكر أم أن ولدها وفلذة كبدها سبب تعاستها وخيبة أملها، ظل يخطب في قرابة الساعة تقريبًا، وأنا أنزل الأرض في حسرة.

قلتُ له إنني لم أفهم لماذا كلما جاء في شريط الأخبار أن أحد جنودنا في الحدود قد أصابه رصاص الغدر نظر إليّ أخي، مرات كثيرة كنت أصاب بالأرق من هول تلك النظرة، قمتُ بوضع كاميرا فيديو في كل ركن بالغرفة، فتأكدت بأنني لا أقوم من نومي لأذهب للحدود المصرية الفلسطينية لكي أقتل جنديًا مثلًا، سألت عديدًا من أصدقائي إن كان يعلم أحدهم أنني أقوى على حمل سلاح، صارحني أحدهم بأنني لا أقوى على حمل شماعة بلاستيكية، أفقدتني نظرة أخي ثقتي بنفسي، ذات مرة سألته فقال لي باختصار: «أنت بتنطق بالعافية أساسًا»، ثم خطب خطبة عن أنني شاب مائع لا أقوى على أن أكون مكان أحد جنودنا الواقفين على الحدود، أتفق معه هم أجل مني ومنه أيضًا، لكن هل وقوف شخص يحمل سلاحًا على الحدود يحفظ لسانه من أن يكون ألدغًا، ما الذي يربط يا لبيب بين قصة حروفي وقصة الجنود؟!

بدأ لبيب يحتار في أمري بعد القصة الأخيرة، شعر لبيب فجأة بأنني أكذب عليه، أحاول إخفاء أمر ما، ربما أخطط لشيء سخيف ولن يرضيه، ربما أستهزئ بعقله فقط، أسجل له صوتيًّا كل كلامه، دار برأسه في المقهى التي كُنا نجلس فيها يبحث عن كاميرا، وأغلق عينيه قليلًا ليحبك دور الرجل ذي الخبرة حين يشك فيك، وقال لي: «ماذا تريد أن تقول بالضبط؟».

لم أكن أدرك أن حتى لبيب صديقي ذا الصدر الشرح والبرح قد فقد ثقته بي فجأة، ولكني خشيت أن أكمل في سلسلة الحكايات وقلت له الخلاصة – مشفية – وشافية، قلتُ له نصًّا: «اسمعني يا لبيب السيد العربي، أشعر بأن الناس من حولي لا يتذكرون اإا عندما تضيق بهم ظروف الحياة، حين يحاصر أمي الفوضى من حولها تتذكر أنني جائع، وحين يفقد أبي أحد أبنائه ربما يتذكر أن له ابنًا آخر، وحين يضيق الأمر برجل الشرطة حين يبحث عن قاتل، لربما تذكر قول جدي عني بأني طفل مجرم، يتذكر الناس ماضيّ لا أعلم ما دليل أنني مذنب فيه، ويذموني به».

أما أنت أيها القارئ إن لم تفهم بلبيب القصة، وإن لم تفهم بلبيب المثل، قل لي صراحةً ما الفائدة إن علمنا أن صلاح الدين خائن أم غير خائن، وإن علمت مثلًا ميول أم كلثوم للسحاقية أم لا، إن بحثت وتفقدت العالم أجمع وعلومه، وسافرت عبر الزمن واختبأت تحت فراش أم كلثوم، وتفاجأت مثلًا أنها كانت تنام مع الرجال والنساء سويًا، ما الفائدة التي ستعود عليك؟

في كل فترة يستيقظ بيننا حمى التذكر، كما تتوغل في عقولنا حمى النسيان، ننسى مثلًا بأن لدينا برلمانًا تعبر منه القوانين عبور الضوء في الفراغ والمادة، وأقسم بالله إن كنت أعلم شيئًا أكثر نفاذية من الضوء يعلمه الناس لكان مثالًا، ننسى مثلًا ختان الإناث والجوعى في الشوارع، والذين لم يتم استخراج شهادات ميلاد لهم، ننسى مشكلة البدون في منطقتنا العربية، ننسى حلب ودمشق وغيرها من مدن سوريا إلا حين يذكرنا «الترند»، وكذلك لدينا حمى التذكر.

ما العائد الحقيقي الذي سيأتي إليّ في جمهورية مصر العربية، التي يحكمها – من المفترض– رئيس يتم انتخابه كل أربعة أعوام، وبها وزير دفاع يتم تغييره أو لا يتم تغييره في كل نظام وآخر، يخوض بنفسه مع الرئيس مساءل الحرب، من قصة خيانة صلاح الدين الأيوبي الشائكة، إن كان خائنًا فما العائد؟! وإن كان غير خائن فما العائد أيضًا؟!

إن لم تتفهم مشكلتي، حسنًا ابحثوا في الأمر حتى تتحلل عظامي وعظام أحفادي من بعدي، عمري بالمناسبة ثمانية عشر عامًا، لستُ أعلم أهل الأرض، أنا إنسان شديد الجهل في الحقيقة ولكن أحب القراءة، قل لي أو لأحد أحفادي متى سنفكر في حل لأزماتنا المعاصرة، متى يُدرك الناس أنهم في مصيبة أهم من التفكير في قضايا لا نفع ولا ضرر منها؟!

التفكر في الماضي أمر ذو أهمية، ولكن التفكر في أشياء تتصل من حولك، ماذا بقي من دولة صلاح الدين أو شريكات فراش أم كلثوم لكي نفكر فيهم؟! حسنًا مستعد أن أقسم بالله بنفسي على خيانة صلاح الدين، وعلى سحاقية أم كلثوم، وعلى أنني شخصيًّا المُصاب بحساسية اللاكتيز آكل الجبنة، ولكن قل لي هل انتقلنا فجأة من المستنقع الفكري الذي نعيش فيه إلى صحراء حتى؟!

باختصار يا سادة نحن نعيش في مجتمع يعاني من أزمة متى يتذكر ومتى ينسى، والأسوأ أنه يتذكر أشياءً لم يرها، وينسى أشياء محيطة به، تلمسه في كل لحظة، تصرخ فيه إن كانت امرأة يتم التحرش بها، تصفعه على وجهه إن كان ضابط شرطة، تغتصب حقوقه إن كانت الذكرى المنسية نائب برلمان، ورحماك يا خالقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حارتنا, لبيب, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد