من وجهة نظر شخصية بحتة ما ينقص السينما الحديثة هو الفكر، القفزة النوعية التي تنقلنا إلى عصر حديث مختلف من هذا الفن.

يصح القول هنا إنها ليست مشكلة السينما فقط بل مشكلة العالم ككل، في هذا الوقت لم يعد الانسان قادرًا على تطوير ذاته بعد الآن، مجرد نسخ، اقتباس ومحاكاة لما هو موجود فعلًا، التأريخ يذكر الكثير من الأمثلة على هذا: عربة يجرها إنسان ثم حصان، دراجة نارية، سيارة، قطار، باص، طائرة، سفينة، مركبة فضائية، الفكرة نفسها مع إمكانيات أكبر، ما الفائدة حقًّا من كل هذا؟

سؤال ذو طابع فلسفي بحت يمكن للسينما مناقشته وسط من يرى بأن وجود حياة على كواكب أخرى ممكن، ومن يرفضها تمامًا ويسخر من مؤيديها، من يناقشها بسخرية، عاطفة أو بشكل علمي بحت، لا يوجد ذاك الشخص الذي يطرح السؤال الأهم: لماذا انتشرت هذه الفكرة في المقام الأول؟ أو بالأحرى لماذا ما زالت تنتشر بسرعة الضوء مثل النار في الهشيم؟!

هذه طبيعة البشر حقًّا، إنهم في حالة مزرية من البؤس واليأس من هذا العالم ومن وجود أي أمل فيه؛ لذا يبحثون عن الهروب إلى كوكب آخر.

يتداخل هذا اليأس في جميع مجالات الحياة ومنها السينما، فنجد الكثير والكثير من القصص حول حياة كواكب أخرى نحاول فهمها وتفسيرها بمنطق البشر، المنطق الذي يراه الكثير الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، مقارنة بتلك الكائنات المتطورة أو إنه (كان) كذلك لكنه لم يستطع مجاراة ما صنعه بنفسه من ذكاء صناعي استعبده في نهاية المطاف.

نترك سنن الكون وفكر التطور الكبير، ونعود إلى الفن لنطرح أسئلة أقل تعقيدًا وأكثر بساطة.

أين ذلك الشخص الذي يمكن أن يحدث التطور في عالم السينما بالذات؟

كم منكم يتذكر عدد المرات التي شاهد فيها اللحية كناية عن مرور الوقت؟ الشعر المنكوش دليلًا على الجنون أو العمل الشاق (أو ربما كلاهما)، الورود دليلًا على الحب والعاطفة.

لربما مهما بحثت عن من سَنَ هذه السنن وجعلها تنتشر بهذا الشكل الواسع والكبير في كافة أنواع السينما، لن أعرف اسمه، لكنه بالتاكيد موجود

يمكن أن يكون فيلمه فاشلًا بقصته، ساذجًا في حبكته، أو وقحًا حتى، لكن هل هذا ما يهم؟ ما يهم حقًّا هو أنه ترك بصمة كبيرة لن تنسى، والآن لن تنسى أبدًا.

لأن عقولنا توقفت عن التفكير في أهمية التفاصيل شديدة البساطة والأهمية.

أتذكر تفاصيل صغيرة من فيلم «The Truman show»، ذلك الفتى الصغير ترومان كأي طفل اخر يحلم بأن يخترع شيئًا ما ثم يقابل بالسخرية من معلمته أن كل شيء فعلًا اكتُشف، ولم يعد هناك حاجة للتفكير وإجهاد المخ، ربما لم يكن المقصد لمجرد التهكم، ربما كان هناك فكرة وراء ذاك الحوار بعيدًا عن فكرة الفيلم «أن الإبداع قد قتل بدماء باردة».

وأيضًا أتذكر «Ed wood» ذلك المخرج المخبول الذي يمكن للأعمى أن يرى أخطاء أفلامه التقنية والفنية، وحتى الفكرية، لكنه ما زال يقوم بأفكاره دون اهتمام، ويقول فلسفته ببساطة «إن التفاصيل الصغيرة غير مهمة، أهم ما في الأمر هو الموضوع الأكبر»، تاركًا وراءه سؤالًا كبيرًا؛ كيف لنا أن نحدد أهمية الموضوع؟

هنا نشأ الصراع، هل هو تقصير وانتهاء الإبداع أم مجرد إصرار وفكر حر، واهتمام بما يستحق أن يهتم به؟

يبقى السؤال أين ذلك الشخص الذي سينقل الفن إلى مرحلة أخرى وعصر جديد؟ هل هو موجود الآن؟

هل نحن غير قادرين على التطور؟ هل توقفت عقولنا عن العمل؟

سنستمر بطرح الأسئلة بهذه الصيغة، لكن في أعماق عقولنا في أكثر نقطة بشرية من ذاتنا، التي تفرقنا بعضنا عن بعض وتحدد صفاتنا تسأل الأسئلة بصيغة أكثر واقعية مكشوفة الحقائق: هل أصبحنا نخاف من التطور؟ حائرين بين أننا متأخرون بضعة خطوات عما يجب أن نصل إليه؟ أم أننا فقط نستبق الأحداث؟

هل فقدنا الشعور بالوقت والاتصال الروحي به؟ حينها نفقد كل شيء.

هل نخاف من التقدم للأمام لمستقبل أكثر المتفائلين منا يراه سوداويًّا بطريقة ما؟

وهنا تأتي العقدة والملحمة بين فكرة يراها كل البشر بسوداوية شديدة نهاية صعبة لا محال منها، وبين أن يكون الفن سباقًا كما هو دائمًا.

عند إمعان النظر في أغلب أفكار الفيزياء الحديثة نجد أنها انطلقت من أمثلة بسيطة، طبشور ولوح كل ما احتاجه أينشتاين ليضع مفهومًا أكثر شمولًا حول الجاذبية عما كان متعارفًا عليه في زمن نيوتن وغاليلو، كثيرًا ما سوف نذكر «أكثر شمولًا» هنا؛ ذلك أن العلم هو لا شيء أكثر من دراسة الأشياء التي ليست صحيحة بالكامل أو مخطئة بالكامل، وبمعنى ما هذا يعني أن العلم يختص بكل شيء حولنا، على الأقل كل شيء أدركنا أنه حولنا، من السذاجة أن تكرر السؤال نفسه الذي يُسأل من قرون «لماذا سقطت التفاحة على رأسي؟»

لكن في أن تسأل هذا السؤال عدة مرات قيمة كبيرة، لماذا لا يسقط القمر، تحتاج الآن إلى بعض من الهندسة التفاضلية والكثير من الحسابات لتجيب عن هذا السؤال، ولكن حالما تجيب ستكون قد وصلت إلى الحقيقة المطلقة، لكن ربما لا، كابوس نيوتن كانت بعض القياسات خصوصًا في مدار كوكب مثل عطارد، ذاك الذي يجعل من مبدأ بحثه خاطئًا، لكن أنت في سباق مع الزمن، كل العلماء يتمتعون بالغرور بالرغم من ذلك، نوعان من الغرور في الحقيقة، أحدهم إيجابي، كذلك الذي دفع أينشتاين بغطرسة إلى الجزم بعدم وجود الأثير دون مصادر أو أي تجربة، بل هو فقط نتاج تأمل في تجارب سابقة، الطريف انها تجارب تحاول جعل وجوب وجود أثير أو منطقة ما ساكنة في الفضاء شيئًا حتميًّا، لكن هنا يأتي شاب في السادسة والعشرين بعقل منتعش قليلًا بعيد كل البعد عن تلك التأملات الفلسفية المعقدة، أو الرياضيات البحتة المزعجة، شخص يحاول الوصول إلى الحقيقة نظريًّا فقط، لكن مع ذلك يبتعد عن الميتافيزيقيا، ويبقى متشبثًا بما يمكن لكل من يرى أن يراه، ثم يربط الزمن والمكان معًا في نسيج واحد، نسيج يؤكد أن ما من جاذبية كما قال نيوتن بل هي كتلة تثني هذا المنحنى الذي يشمل كوننا الواسع المتزايد بالتوسع، فما من شيء حصل خارج نطاق الزمان والمكان، وهذا ما يتفق عليه كل العلماء، أنت فقط اخترت أبسط طريقة لتفسير كل شيء، وهذه ليست طريقة عمل الفيزياء أو الكون.

أو غرور آخر أكثر سلبية، كذلك الذي يجعل نيوتن يتحدث عن الضوء والزمن، دونما معرفة أو على الأقل مراجعة ثانية، مما يدفع شخصًا ما إلى محاولة تنقيح ذلك، حتى أينشتاين الذي حارب ذاك النوع من الغرور وقع في فخه، خصوصًا عندما تطورت فيزياء الكم، وتضاربت قوى الفيزياء الحديثة، وإن اختلفت مجالات بحثهم، أحدهم يجب أن يكون مخطئًا، أو أنه على الأغلب ما زال أمامنا وقت طويل لفهم الكون، على الأرجح ليس هذا ما يراه هوكينج؛ فهو يرى أن العلم قادر على الإجابة عن تساؤلات الفلاسفة الوجودية بطبعها، تلك الأسئلة التي تتعلق بوجود الإنسان من البداية، ثم يرى أن السيناريو الأفضل أن الكون بلا نهاية، أن الكون يتوسع ليبني ذاته بذاته بدلًا من هدمها.

 الأمر أشبه بك وأنت تعيش حياتك، هل هذا جميل؟ أن الوقت يمضي، ربما لا، لأنك ستموت في النهاية، لكن ما الفائدة من البقاء ثابتًا؟ ما الفائدة من عدم اختيار أي شيء؟ كل شيء أمامك، لكن حتمًا يجب أن تختار، النسبية والكم تعرض أفكارًا جنونية، ومنها تظهر مفاهيم كثيرة غريبة جدًّا، ثقوب سوداء ودودية، موت نجوم، وجسور في الفضاء، توسع للكون والأوتار الفائقة، وظاهرة العبث وغير ذلك، الكثير من الأفكار النظرية التي تجد من أدب الخيال العلمي أفضل مكان لعرضها، أفلام مثل «Interstellar» و«Mr nobody» وغيرها تحاول أن تتأمل في ذلك وتسبق خطوة أو اثنين باستعجال نحو طريق الإنسان في فهم الكون اللامتناهي.

تحاول الأوتار الفائقة أو نظرية M أن تجمع قوى الفيزياء العظمى معًا لكنها تفشل، مع ذلك كل شيء يرجع بالتبسيط إلى مسألة رياضية بسيطة، أسهل بكثير مما تعلمته منذ أول حصة رياضيات أخذتها في حياتك، أنت تأخذ الرياضيات كما لغتك الأم في الغالب، الأرقام مكان الحروف، والإشارات مكان الحركات وهكذا، هناك نفاق كبير في الرياضيات وتطبيقاتها، فتوضع قوانين واهية تحرمك مثلًا من أن تجري عملية طرح بين عددين صحيحين أحدهما أكبر من الثاني، لكن فيما بعد أنت تبدأ بأخذ كل هذه العمليات اللامنطقية وكأنها شيء عادي، في الغالب الرياضيات لا شيء أكثر من لغة لتدوين ملاحظات قد تمتد لسنوات في الفيزياء النظرية، سنوات من أفكار المنظرين ونقاشات الفلاسفة، تختصر بأرقام ورموز يفهمها الجميع.

بينما الرياضيات البحتة تبدو بلا هدف، ربما هذا سبب أن الأشخاص ذوي المتلازمات غير القادرين على القيام بمهارات اجتماعية بسيطة عباقرة في الرياضيات، في المسائل شديدة التعقيد، هي ليست كذلك بالنسبة لهم، الأمر أشبه بإعادة لعبة إلى غلافها لا أكثر، أعد كل شيء لأصله، دون تفكير عاطفي من المخ يبدو الأمر أبسط وأبسط، ويكاد يبدو تافهًا، كل ما عليك فعله هو أن تفعل ما تفعل دائمًا، أن تؤدي دورك في الحياة، لكن العقل في الغالب يقف شوكة ينتظر خنقك فقط، حيث أنت لا شيء سوى مخلوق وجد ليؤدي دوره في الحياة إلى حين أن تدرك عقلك.

ماذا لو فعل النبات أيضًا؟ وتعلم اللغة، درس التاريخ وما إلى ذلك، سيعرف أنه وجد قبل الإنسان، سيناظر ابن آدم إلى المالا نهاية لا أحد سيعمل، سيتوقف كل شيء، سيتدمر ذلك النظام البيئي شديد الدقة والتعقيد، ربما لسنا من يجب أن نسأل عما يميزنا بقدر ما يجب أن تفعل تلك الكائنات الغريبة التي تعيش في مكان ما في كوننا الواسع هذا، هل الروح ما يجعلنا بشرًا أم الذاكرة، كثيرة تلك الأفلام التي تبحث ذلك، blade runner أو Dark City، من يتخيل أن ذلك حصل فعلًا حيث الذاكرة تجعل من الحديد الذي سيصدأ شيئًا يشعر، ومنه ينبثق فيلم آخر يدعى Equilibrium الذي يبحث هذه المرة بشكل مختلف عن علة الإنسان، ربما الشعور بدلًا من الوعي كلاهما حالة من الوعي، ربما هي ليست فقط «أنا موجود لأني أفكر» كذلك «أنا موجود لأني أشعر»، وذلك بدأ بسبب فلسفة الشك من الأساس، الذي يصنع الكثير من المتناقضات غير المحدودة، ما الذي يجعل الذباب سيئً؟ إنه يمتص دمنا، ماذا لو كان دمنا فاسدًا؟ ربما نشعر بالحكة، نستحم نشعر بالانتعاش، بالتأكيد الذباب إله أو أنه الشيطان، لماذا يجعلنا نشعر بالقذارة على أي حال؟ أو بمفهوم آخر لم الحاجة للاستحمام لو أن ما من شيء يدعى نظافة؟

وإحدى تلك الأفكار التي تحاول أن تقرب مفهوم النسبية العامة لعقلك، هو كيف يتباطأ الزمن بزيادة السرعة بفعل ذاك التشوه بالزمكان، على فرض أنك تحاول الفهم، ماذا سيحصل، يتوقف العقرب ثم يتحرك؟ أم أنه يتوقف نهائيًّا بعد مدة وكيف؟ حسنًا ربما فقط يتباطأ كما يتباطأ نموك، وكذلك كل شيء حولك يتباطأ، تخيل أن تنام وتستيقظ لتجد كل شيء أكبر مائة مرة حتى أنت، ووحدات القياس، وكل شيء، لن تكتشف ما حصل أبدًا مهما حاولت، هذا ما يقول العالم وكذلك الفيلسوف، لكن الفيلسوف يحب الشك، يذهب أبعد من ذلك، ويقول لم لا يكون هذا ما حصل فعلًا؟ أننا نتضخم مائة مرة كل يوم ننام فيه، لكن ماذا لو استيقظ شخص وسط ذلك لأنه عانى الأرق بفعل النظام الرأسمالي وساعات العمل اللامتناهية، من أجل لا شيء سوى أنك يجب أن تعمل فقط.

حسنًا هذا ما يبحث فيه Dark City مع تغيير بسيط، لسنا نحن من نبحث عن فهم أنفسنا، بل كائنات غريبة مختلفة عنا، ربما كان هوكينج مخطئًا أو متعجلًا، أو على الأغلب له الغرور ذاته الذي تمتع به من قبله وحاول بكل بساطة أن يلقي بالجواب بثقب أسود، Interstellar في المقابل يواكب تلك الفكرة تمامًا وبطريقة قريبة جدًّا، فهو يصل إلى أبعد ما وصلنا إليه حتى اللحظة، هو لحظة الحدث مع القليل من التأمل والتشويق مزيج من الفن والعلم والموسيقى وكل شيء، على اعتبار أنك تريد أن تشعر النسبية بدلًا من فهمها يبدو الأمر ممكنًا في مثل تلك القصة، فقط استمع إلى ابنك وهو يخبرك كم كبر، وكيف سار في الحياة إلى شيء كبير، بينما كل ما مر عليك ساعات محدودة، ثم مرة أخرى يبقى السؤال مطروحًا عذماذا سيفسر كل شيء، كل شيء بالأرقام والخوارزميات؟

ربما الأوتار الفائقة خطوة مهمة نحو الحقيقة، لكن بشكل ما ليست الجسر إلى الحقيقة، ليست طريقًا مباشرًا؛ لذا لا مشكلة من الغوص في نتائجها ونتائج الكم كما في Mr nobody، ما الخيارات؟ وهل أنت مخير أو مسير؟ وما إلى ذلك، لا مشكلة من التأمل في كل هذه الأمور، لكن حتمًا العلم يبقى مشكلة كبيرة عندما تحاول من خلاله تفسير أشياء أخرى، يمكنك أن تجعل الناس تفهم كل شيء بالعلم، لكن لن يروه كذلك، لن ترى نسخة منك تتحرك بالعكس فقط لأن هذا ما يقوله العلم حول الإلكترون واحتمالات هذا الجسيم متناهي الصغر اللامحدودة، لكن يمكن أن تفهم ذلك لماذا لا تشعر ذلك حتى وتتأمل في ذلك.

تشعل النار بعد اكتشافها بانتظار أن تجعلك ترى تلك الخرابيش التي صنعها أحد ما على كهفك، من هو، ابحث في التاريخ واخترع لغة، وازرع، واستمتع بالصيد وإظهار وحشيتك الدفينة، وعش في تجمعات، وكل وأشرب، ونم واستيقظ، ربما تتصخم مائة مرة، ليس مهمًّا طالما كل شيء فعل أيضًا، اشكر الإله، أو حتى حاول أن تثبت أو تنفي وجوده، كل ذلك ليس ذي قيمة؛ لأنك بانتظار شيء ما ربما لا تتذكره الآن، لكن حتمّا ستفعل، والآن أنت على نسيج من الزمان والمكان، وأنت كل شيء، يمكن أن تكون في أكوان أخرى، لكن السر أن تتظاهر بأنك لا تعرفها، وأنك نوعًا ما الراصد الوحيد لكن لست المركز.

وسط كل هذا أدب الخيال العلمي، وتلك الحركة تستمر بالتوسع أكثر وأكثر، كلما تطور العلم، الكثير من الاحتمالات التي يمكن أن ترى فيها كل شيء والكثير من الأفكار الناتجة منها لا تقل، طالما اللانهاية ليست رقمًا بل أقرب لمفهوم، وتلك الكرة لن تصل أبدًا إلى الأرض؛ لأنها ستستمر بقطع مسافات بعد أخرى إلى ما لا نهاية، الآن ربما الجواب ليس داخل ثقب أسود، أو في رحلة نحو المجهول، ربما نحن نتسرع فقط، يجب أن تعيش الفلسفة مجددًا، أفكارك التافهة وغير المفهومة اليوم، قد تساعد أبناءك من صلبك فيما بعد، تساعدهم على كشف الحقيقة، لكن لا داعي لمحاولة أن تكتشف شيئًا غير موجود حتى الآن من الأساس، يكفي أن تجعل الجميع يفكر أنه ليس سليمًا من أن يخطئ، وأن ما نعتقد أنه انتهى يبقى سرمديًّا دون نهاية، نحتاج الفلسفة، ولماذا لا نجيب عن لماذا كوب الخزف الذي كسر لا يرجع كما كان، الزمن ليس الجواب ولا العودة بالزمن حتمًا ليست الافتراض الصحيح؛ لأنك لا تريد أن يعود كما كان قبل أن يكسر، بل إلى أجسامه الأولية دون ذرية، قبل أن يوجد، قبل الانفجار وكل شيء، تتعطل قوانين الإنسان، وهذا أبعد ما وصل إليه عقل الإنسان، التأمل مسموح مع ذلك، ربما لأن ذلك سيجعلنا نعيد ما كسر كما كان مجددًا، حينها ربما نرى الزمان كأي بعد مكاني آخر قابل للجذب والمط، ويتقبل كل تصرفاتك تجاهه بصدر رحب، لذا ما زلنا نحتاج الفلسفة والميتافيزيقيا والروحانيات.

كل شيء يبدأ كاملًا ثم يذوب أو يجمد، ويقل ويفنى، هذا مفروغ منه بطريقة ما، الفيزياء ليست علمًا جامدًا كالرياضيات، ما تزال قادرًا على افتراض ما تشاء وإرجاع كل شيء على ما كان عليه فيما قبل، أو حتى أن تطور شيئًا من شيء صغير جدًّا، فقط واكب ما حولك، ولا ترتكب الخطأ مرتين، لا عيب من الخطأ في الحقيقة هو وقود الإنسان ليتحرك للأمام نحو عالم متطور وجيل أكثر حداثة وانفتاحًا، لكن أن يحصل مرتين هذا فقط تضيع وقت، مع ذلك حقك مكفول في التأمل والتكهن وصناعة المزيد من أفكار الخيال العلمي الممتعة والمبهرة، لكن الأهم أن تطرح ثمرة تلك النظريات صعبة الفهم والمسائل الرياضية المعقدة بطريقة تلتزم بهذه المفاهيم. لكن لا تضيع المشاهد في متاهاتها.

تذكر أسلافك أولئك الذين وجدوا أن البذور داخل الثمرة ليست قمامة بل سر الحياة يختزل بداخلها، لا ترمي الفيزياء أو الرياضيات أو الفلسفة للنجاة من مصير لا بد منه، بل تمسك بها لتستطيع النجاة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد