قصتنا مع الدنيا قصة تمتد وتتشعب وتطول بمقدار بقائنا على وجه البسيطة؛ فهي قصة حياة وفكر وتدافع وصراع يتجلى في كل موقف، بل في كل لحظة. فتجد لكل منا مع دنياه حكاياته التي يرويها بلسان حاله مرة، وبلسان قاله مرة، وقد تختلف رواية كل واحد منا عن غيره في عناوين فصولها وسرد تفاصيلها، لكنها تتفق في أصل انبعاثها وغاية مقاصدها، وتجتمع في صدق وقعها واستخلاص العبر والحكم المبثوثة في ثناياها، بل قد تتشابه في أدق تفاصيلها من حيث توحد آخيتها المركزية التي تحوم حوله من فكرة أو عظة أو تماثل للأدوار نفسها. لذا كانت قصص الحياة مثاني تعاد فيها الخطوط الكبيرة لجوهر الحياة مرة بعد مرة مكررةً الأحداث بشخصيات متنوعة متجلية البروز في كل الأزمنة والأماكن.

فمنا من قصته مع دنياه أنه:

يسلم نفسه لها من أول نزال، بل أحيانا ولمَّا تبرز بوادره، ويضع وهو في أرض معركته سلاحه، مطأطئًا هامته لسطوة جبروتها المستحكم من جنانه، المذل لهمته، وقد انتكست منه العزيمة استقبالًا للهزيمة. فجثا من علياء آماله على ركبتيه وقد انحسرت أحلامه، واثَّاقل كاهله، وحجر على لب عقله بسوء بصيرته لمجريات حياته.

تخالجه أوهامٌ تتنكر بزي الحقيقة.. ويملأ أذنيه ناصح بلباس الحق يوسوس له: أنها نهاية قصتك لا محالة، وأن هذا الذي أنت تحياه وتكابده وتترنح في لأوائه إنما هي أقدارك مكتوبة عليك، فلا فرار منها لك ولا نجاة، فاركن لقدرك وما قُسم لك ولا تعاند، تكن أغنى الناس.

وهو إنما يجره إلى القناعة بحتفه، يدعوه إلى الباطل بمقال للحق منتسب، يزخرف له فشله عن تحقيق كيانه وتقاعسه عن مصابرة الليالي والأيام، يزين له تركه لساحة الكفاح عن الأمل وإلقائه بعيدًا لعدته، يعزف له على وتر الهزيمة أجمل الألحان. ويضرب على أنفاسه بنيانًا من ثقيل الخور النفسي والعجز العملي. فيمسي على ضفة اليأس يتقلب، وقد أفرغ جراب ذاته وكيانه من ملكات موهبته ومقدراته.

خلاصته مع دنياه: أنه في قصته مجرد شبح إنسان يعيش ليومه، لا يعدو ببصيرته مواضع أقدامه، ولا يبصر مواطن إقدامه ولا إحجامه، وإنما يحيا سدى وسبهللا.

ومنا من قصته مع دنياه:

نزالات تلو نزالات، لا تنتهي، يعلو وسمها تقدمه في ميدان الحياة، لا يتقهقر له نصر وإن تخلل ذلك بعض هزائم، فهي لا تملك بعد انتهاء أوقاتها الموقوتة إلا اسمها، وقد صارت بعد ذوق مرها مجرد لبنة من لبنات تشييد صرح نصره الشامخ.

فالهزيمة في قصته ليست إلا فرصة لشحذ الهمة من جديد، وبث عزيمة أقوى وأثبت، بل هي هبة من الدنيا ومنحة لمرحلة فاصلة، يتفقد فيها عُدة المواجهة القادمة، ويلملم أطراف المعركة السابقة، ليسد مواطن الخلل ويخطط للمستقبل من بديع التفكر ما يصحح به مسار صموده وثباته، والحرب يا صديقي كَرٌّ وَفَرٌّ. فكبوة جواده في حقيقة تأويلها ما هي إلا إرهاصة لفصل من قصة نصر جديدة.

فقصته مع دنياه: أمل متجدد مع كل إشراقة شمس، لا تسقط له راية على بسيطة معركته إلا وارتفعت أسمق وأسمى، يدرك جوهر الحياة متعاليًا عن ظاهرها بعمق بصيرته وامتدادها. فينطلق من مبادئ ثابتة سامية، ويحيا لغاية نبيلة تستحق منه القتال لأجلها.

فأي القصتين هي دنياك؟

فصول تحمل الكثير من التذبذب والتناقض في بنائها، لا تثبت مقاصدها ولا يستقر لها محور مع طول زمانها وتنوع تجاربها، أم أنك في قصتك عصي النفس عن انصهار آمالك وذهاب أحلامك تحت حر الأيام وطوارقها؟

من أنت وما بصمة قصتك في صفحات هذه الحياة الفانية؟

فارفع بصرك، وابعث رفات أحلامك من أجداثها، وقُم بهمتك من سباتها، ولترنو بناظرك للضفة الأخرى من الحياة بمنظار التفاؤل، وبادر بخط فصول قصة جديدة، فالحياة يا صديقي أمل وكفاح وعطاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد