التغيير سمة من سمات الحياة، وبدون هذا التغيير والاختلاف لم يعرف الإنسان حقيقة المعاني والفرق بين الخير والشر بين الجميل والقبيح بين الثواب والعقاب وغيرها من الأحاسيس والمعاني المختلفة والمتضادة، فالزمن يفرض علينا تغييرات لا دخل للإنسان فيها، مع أنه من قام بها إلا أنها صفة من صفات الزمان.

في الصغر كانت الصداقة قائمة على الصدق والود والسلام، لا كُلفة في الحديث ولا تكلف في الأمور، كما أن الأفعال التي تصدر في علاقة قائمة على الود لن تضر بأحد، فإذا ما تلاقت القلوب وتآلفت صارت علاقة وطيدة ومتأصلة، ويصبح التناغم بينهم من أجمل ما يكون، قلوب نقية لم تدنسها المصالح الشخصية، ولا الحسابات المادية، فكل ما تنتجه هذه القلوب الصغيرة هو الحب الصادق، وتظل الصداقة في الصغر هي أطهر العلاقات وأصدقها على الإطلاق، عقول خلت من أمور الدنيا وتشبثت بوقتها وتسعى لاغتنام اللحظات، تحاول إمساك الوقت بأيديها، لهذا كانت الساعة ذات شأن عظيم يشعرون فيها بكل لحظة، إنه وقت الأصدقاء.

الصداقة الحقيقة تعلو إلى مرتبة الأخوة، بل وأحيانًا تتفوق عليها، وهذا لا يقلل أهمية القرابة بين الإخوان الذين ارتبطوا بالدم، وحملوا نفس الاسم، فبالفطرة يكون الحب والود موجود، ولم لا فقد خرجوا من رحم واحد، وفي بيت واحد، ولكن في الصداقة شيء مختلف، تلك العلاقة التي تكونت على أساس لم يُفرض عليك، إنما تلاقت الأرواح وتناغمت فكانت المقدمة لنشأة الصداقة الطيبة، وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم يؤكد ذلك بقوله الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.

ويبقى الشارع هو الشاهد على تلك الصداقات، كانت هناك سعه في كل شيء، إنه عالمنا الخاص، كنا نهرب إليه كل يوم، نترقب الوقت في المنزل، حتى تحين اللحظة التي تُفتح فيها الأبوات، كأنه طائر في قفص، ما إن يحين وقته حتى يطير بجناحيه في سماء الحارة يلهو ويعلب مع أصدقائه.

لم نرتد الساعات في صغرنا، ولم نكن نعرف للوقت أرقام، ومع ذلك كان للقاء موعد ثابت لا يتغير، أقرب ما يكون لوقت الشروق، تخرج الطيور بحثًا عن رزقها، وكنا نخرج بحثًا عن اللعب والحب والود مع من صدقنا معهم بحبنا وصدقوا معنا بودهم.

ولكن دوام الحال من المحال، فالوقت ينقضي ويمر، لقد ضاقت الملابس علينا، تلك التي كانت بالأمس فضفاضة، واليوم بات من الصعب خروج الرأس من فتحتها، لم يكن هذا الضيق على الملابس فقط، بل طال الضيق شارعنا، يبدو أن أحدهم سرق جزءًا كبيرًا منه، أين ذهب هذا البراح؟! ولماذا اختفى؟! وكلما انقضت الأيام والسنوات ضاقت بنا أنفسنا وضاق عالمنا، حتى أصاب الضيق كل شيء.

وبدأ الجميع يتخلف عن اللقاء واحدًا تلو الآخر، وأصبح من العيب أن تبقى في الشارع، وبدأنا مشوار الكفاح، أن تكون إنسان يجب عليك أن تكافح من أجل الحياة، وأن تكون مصريًا وجب عليك القتال من أجل البقاء.

أحزن على وقت مضى، كانت للصداقة قدسية عظيمة، بالرغم من أحجامنا الصغيرة إلا أنها كانت تحمل من الصدق والحب ما يكفي لإخماد حروب قائمة بين دول، إنها الحياة الملعونة التي بات كل ما فيها ملعون، إلا ذكر الله وعالم ومتعلم.

وفي وقت حزني يفرح من كنت أظنه صديقًا، كان بالأمس لينًا وأصبح اليوم قاسيًا كالصخر، أنظر إليه وأتعجب بسبحان الله، ليس تعجب المحبوب، ولكنه تعجب المذموم، لقد تغيرت كلماته، وتبدلت روحه، وجف قلبه، وانطفأ لمعان عينيه، قديمًا كان الصدق سلوك حياته، واليوم يخرج الكذب من عينيه قبل كلماته، أصبحت تحركاته واتجاهاته ذات حسابات ليست في حسباني، إنما في حسبان أصحاب الدنيا، الذين آثروها على هذه العلاقات، حينها تأكدت أن روحه تفلتت مني ولم يعد كما كان.

إذا لم تكن فائدة لي منك، فلا حاجة لي في صداقتك، إنه المبدأ الذي اعتنقه صديقي، وتلك هي نظرته للعلاقة بين الناس، نظرة الأعمى، الذي يتحسس الأشياء بيديه، ظن أن هؤلاء الذين اتخذهم أصدقاء له سيبصرون له الطريق، يعتقد أن المال وحده قادر على أن يبدل الظلام بالنور، تلك الصداقات التي تأسست على المصالح، تكون جدرانها النفاق، وسقفها الكذب، إنه البناء الهش، ستأخذه الرياح يمنه ويسره، ولن يصمد كثيرًا، وسينهدم على من فيه مع أول عقبة في الحياة.

في هذه الأثناء كنت أتظاهر بأني غير مبالي، وأسعى جاهدًا لإقناع من حولي بعدم مبالاتي، فهو من أختار دربه وقرر التخلي، بعد أن كانت الطرق متوازية، ولكن حقيقة الأمر كنت أعاني، إنها سنوات من حياتي، كان الفكر قد ملأ رأسي، ونما هذا بداخلي، حتى تمكن مني وأصابني بكسر في صدري، أيعقل أن يذهب كل هذا العمر وأنا لا أبالي؟! كنت أكذب على من حولي لأخفي هذا من قلبي، فأنا وحدي الذي يعاني، وأنا وحدي الذي يتألم، وهذا ضعف لا أنكره، ولكنه واقع عشته، وطبيعة الحال فإن الجرح لن ينزف طوال العمر، لقد التأم بعد وقت غير قصير تاركًا أثرًا يذكرني بضعفي، وزادني علمًا بجهلي، سأمضي في طريقي لا أحمل في قلبي إلا الود، داعيًا الله الهداية للجميع، وحمدًا لله على محنة كانت في طياتها منحه وصلى الله وسلم على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد