اعتدنا منذ الصغر أن نبدأ بعضًا من صباحاتنا بإعلان أن اليوم هو ذكرى نكبةٍ أو هزيمةٍ ما حدثت منذ زمن بعُد أو قرب، أو أننا في هذا اليوم منذ أعوام -نجلس أمام عددها فاغري الفاه غير مستوعبين أنه من الممكن أن يمر مثلها- قد فقدنا قائدًا أو إمامًا بكت له القلوب؛ ما يهم أننا نحن -الصغار- كان لزامًا علينا أن نجلس نتصنع الوقار والآسي لتُتلى علينا مجموعة من الأحداث والأخبار التي لا تحمل بين طياتها سوى خيبةٍ تتلو الخيبة، حتى أنني ظللت طويلًا مؤمنةٌ أن تاريخنا لا يحمل بين طياته سوى ما يُخزى ويحزن، أو أن ذاكرات الكبار تضيق بالفرح وتضج بالحزن فلا تجد الأحداث المبهجة لها مكان، يتذرعون دومًا في دفاعهم عن حكيهم هذا أننا لا بد أن نعلم بالهزائم، وكيف تحل لنتجنبها أو ليُحفر في ذاكراتنا الغضة النضرة، كيف سقط أسلافنا في بئر الهزائم فلا نسقط نحن أو أننا يجب أن نعرف كيف كانوا رجالًا عظامًا؛ فنتمثلهم في طريقنا، منذ الصبا وحتى الآن لم أفهم من مراسم الانتحاب هذه إلا أنه يجب علىّ أنا والبقية الباقية ممن عُّلموا التاريخ وتشربوه منذ الصغر أن نمارس طقوسًا جنائزية على مدار عامنا تَذكرًا لتلك النكبات.

ما إن يبدأ عامنا حتى يأخذنا الهم بين جناحيه، فيطوينا طيًّا، فلا نكاد نرى سوى أندلس ضُيعت وملك سقط، نعايش محاكم التفتيش وأهل هجّروا وآخرين نُصّروا لينجوا بأبدانهم، يمر اليوم واليوم فنجد أنفسنا نبكي ريم وياسين، ثم تأتي بحر البقر فنشاهد أطفالنا صرعى، أما فلسطين فهي بكائيات وحدها احتلت من العام عام كأن تاريخها كُتب بماء الدمع حرب فسقوط للبشر والحجر، يتخللها مذابح يشيب لهولها الرأس، ثم نختم عامنا ببكائنا على رضوى، فيمتد الحزن بامتداد أيامنا.

كنا في بداية الأمر نظن أنه مُقتصر على الأحداث الجللة، لكن وبعد طول تمحيص واستقراء للواقع وجدنا أن الأحداث عظيمها وحقيرها عندهم سيان، ما دامت تبعث على البكاء فنحن بها مولعون ولها مقدرون، لكننا ومع خالص الأسف ورثنا منهم عادتهم وأصبحنا نذكر التاريخ وحدنا، ونتلحف بذكرى المآسي أيام طوال.

لا يختلف اثنان أن قراءة الماضي تُفهم الحاضر، وتُيسر توقع المستقبل، ويكون ذلك حين تقرأه لتُدرك وتعي ما أدى إلى واقعك المظلم لا لتلوم غيرك وتأخذ منه ما يدينهم وتحاججهم به، إما أن تقف هكذا عاجزًا تطوي الصفحة تلو الصفحة، فلا تخرج منها إلا محملًا بكآبة ويأسٍ، إما أن تستفيد منه بقدر ما تبكي لهو الحماقة بعينها، يا صاح لم يُدون التاريخ ليُبكي وإنما دُون لنعتبر به، لنتدارسه فيما بيننا فنخرج منه بحكمة ونور يُضاء به طريقنا، ودليلٌ يرشدنا إلى عوار سبق لأجدادنا ارتكابه فنعرف موضع الخلل وسبيل الإصلاح، إياك أن تنغمس في بكائك، وتركن إلى مجد زائل وملك ضائع، أقرأ ماضيك لتصلح حاضرك وتبني مستقبلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد