في مطلع العام 2002 اشتركت مع بعض من الزملاء في تأسيس حزب سياسي جديد باسم «حزب التقدم العربي»، كانت الفكرة خالصة لأحد رجال السياسية الذين رحلوا عن عالمنا منذ أمد قريب، ذلك الرجل الذي كان مثال يحتذى به في عالم السياسية، لم يكن له أطماع في منصب أو مال، كان يهدف بتأسيسي ذلك الحزب إلى الإصلاح ما استطاع، حفر اسمه في قلبي، فكان بمثابة الأب والمعلم، لم أنساه يومًا، فحضوره في ذهني لم ينقطع.

بعد عامين من العمل الدءوب بقيادة المؤسس محمد فتحي شريف، وبصحبة كثير من الأصدقاء والزملاء المهتمين بالعمل العام – كنت أصغرهم سنًا – قدمنا أوراق الحزب كاملة للجنة شؤون الأحزاب لاعتماده، وكانت اللجنة وقتها تنظر في أوراق اعتماد حزب الغد الذي أطلقه أيمن نور آنذاك، وبالفعل اعتمدت اللجنة حزب الغد، وأجلت اعتماد حزب التقدم العربي.

وقتها أصابني الإحباط وشعرت أن مجهودنا لإشهار الحزب ضاع بلا طائل، ولكن محمد شريف كان له رأي آخر، فجمعنا – رحمة الله عليه – وقال لنا: «لن نيأس، لنا جولة جديدة مع اللجنة، نحن حزب قائم وشرعيتنا مكتسبة من الشارع والجماهير، ولا أحد يدري لعل في ذلك التأجيل الخير، المسيرة ستستمر سواء اعتمدوا الحزب أو رفضوه».

وبعد شهور من إشهار حزب الغد، تم اعتقال أيمن نور وتجميد نشاطه السياسي، عقب مشاركته في الانتخابات الرئاسية التي أقرها مبارك في العام 2005، لتجميل صورة نظامه، ولم يتهمه أحد بأنه إخوان أو يدعم جماعة إرهابية، كانت تهمه عديدة، إلا أنها كانت منطقية، ومنها على سبيل المثال التواصل مع جهات أجنبية.

استمر حزب التقدم العربي في مسيرته والاستعداد لجولة جديدة لتقديم أوراقه مرة أخرى، بقيادة، محمد شريف الذي كان رجل شريفا، وشخصا مفوها، ورث شخصية ثورية لا تخشى عواقب الأمور من أستاذه إبراهيم شكري، السياسي المصري المعروف، مؤسس ورئيس حزب العمل الاشتراكي، والذي شغل منصب وزير الزراعة في حكومة ممدوح سالم في 1977 حتى استقال في عام 1978.

كان الرجل عليم بدهاليز السياسية وخبير في شؤون الأحزاب، وقتها جمعتنا اللقاءات في نقابة المحامين وأحيانا في نقابة الصحفيين، وكثير ما اجتمعنا في الحدائق العامة والمقاهي، قبل أن يكون لنا مقر رسمي في شارع الألفي في وسط القاهرة، ومقرات أخرى في عديد من المحافظات، تدربت على يده، وتعلمت كيف هي السياسة، وكيف أطوع أهدافي لخدمة الوطن، نصحني بعدم الخوف من الأنظمة فهي إلى زوال مهما كانت مستبدة، رسخ بداخلي أن العمل العام حق للجميع وليس حق لنخبة بعينها، علمني أن رئيس الجمهورية موظف دوره محصور في خدمتي، فما بالك بالوزراء ومن دونهم. محمد شريف علمين كيف أكون أنا الشعب.

وزعت منشورات تروج لأفكار الحزب، وتدعوا المهتمين بالانضمام إليه، وعندما كان يسألني شخص ما هذا؟ أخبره بكل شجاعة: «تلك منشورات، كن شجاعا ومررها لمن إلى جوارك». في تلك الأيام كان أمن الدولة ينشط بشكل كبير، وكان كبار الساسة يخشون على أنفسهم، أما ذلك الرجل فلم يكن يهاب هؤلاء، كان يعلم جيدًا ما يفعله، فهو على يقين أن معارضة الحاكم ضرورة في حياة الشعوب، خاصة عندما يكون حاكمًا جائرًا ظالمًا، يخشى ما تخطه الأقلام، ويخشى الغرب خشية رعيته من ظلمه.

نزلت بصحبته في تظاهرات ووقفات احتجاجية ضد نظام مبارك، منها تظاهرات رافضة لقرار بيع عمر أفندي الذي كان سيكبد الدولة خسائر بمليارات من الجنيهات، وشاركت في وقفات احتجاجية رفضا لقرار حكومة نظيف بتصدير الغاز إلى إسرائيل، والذي كان يكلف مصر مليارات الدولارات تصب في خزينة تل أبيب، كان يشجعني بالرغم من صغر سني على المشاركة في العمل العام، ذرع بداخلي نبت الثائر المصري، الذي يثور لأجل الإصلاح.

طوال تلك المسيرة التي استمرت سنوات وسنوات، حتى رحيله في العام 2014، لم يتهمنا أحد بالانتماء للإخوان المسلمين، كنا نعارض الدولة ونرفض تعديلات الدستور ونندد بالتوريث، ونتهم النظام علنا بمسؤوليته عن خراب البلاد والعباد. اشتركت بصحبته، في تأسيس حزب الجبهة الديموقراطية، بقيادة أسامة الغزالي حرب، وكان رئيسه المستشار يحي الجمل، وكان الحزب يعلن باستمرار رفضه للتعديلات الدستورية التي أقرها مبارك لتمكين نجله. تحدثت في الندوات والمؤتمرات، دافعت عن القضية الفلسطينية، وقلت ما أريده دون أن يتهمني شخص أو جهاز، بانتمائي إلى جماعة أو كيان، أو أنني أدعم شخصًا أو منظمة.

وقتها لم يكن طريق السياسية ممهدًا بالورود، فكان النظام الحاكم يضيق الخناق على الجميع، سواء جماعات إسلامية، أو أحزاب، أو كيانات، أو صحافيين، أو حتى نقابات، فكان أغلبها تحت الحراسة، ولكن بصيص الأمل الذي أحياه محمد شريف في قلوبنا وأمثاله من المناضلين استوعب الجميع، وتمكنا من تتبعه حتى أخرجنا إلى ميدان الثورة ميدان الحرية، وأطاح بنظام جاثم على صدور المصريين، وما زال شعاع الأمل يلوح في الأفق.

وفي الختام أستاذي وصديقي العزيز محمد فتحي شريف الذي أفتقده كثيرًا، أخبرك أننا على خطاك نسير، وكما كنت تعلمنا دائمًا بأن «المناضل لا ييأس»، نعاهدك أننا لن نيأس حتى نخرج بمصر إلى ميدان النور من جديد، طبت حيًا وميتًا، رحمات الله عليك إلى يوم الدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد