مواقفنا وقراراتنا انعكاس لأسلوب تفكيرنا، والنمط الخاطئ في التفكير لا ينتج إلا القرار الخطأ، وإن الذي يقود، أو يفرض عليه موقعه -أيًّا كان- أن يصدر القرار -أيًّا كان أيضًا- في حاجة ماسة إلى التمرن على نمط علمي في التفكير، ليس هو تفكير العلماء بالضرورة، ولكنه: «نوع من التفكير المنظم، الذي يمكن أن نستخدمه في شؤون حياتنا اليومية، أو في النشاط الذي نبذله حين نمارس أعمالنا المهنية المعتادة، أو في علاقتنا مع الناس ومع العالم المحيط بنا…»(1)، أي إن الحاجة إليه ليست خاصة بفئة من الناس، ولا بمستوى معين من التراتبية الاجتماعية.

ولا يظن في هذا النمط أنه صواب لا يخطئ، أو كامل لا يشوبه نقص، أو دقيق ليس فيه مجال للنسبية… فهذا ليس من شأن البشر، وجل من لا يخطئ، ولكنه على أي حال أحكم من التفكير غير العلمي وأنفى للضياع والذهول في التعامل مع شؤون الحياة المختلفة، وأضمن لسلامة القرار والموقف من الخبل والتهافت.

ولا يكفي لكي نصدر القرار الصحيح أن نفكر، بل أن نفكر بشكل صحيح، ولكي يكون تفكيرنا صحيحًا ينبغي أن يقوم على قواعد وأسس لا يرقى الشك إلى دقتها وعلميتها، واستحالة تناقضها مع يقين أورده الوحي، أو دقيق أثبته العلم.

وللتأكيد فإن هذه الأسس لا تملك الفاعلية المطلقة، ولا الصواب الدائم المستمر، ولا يستطيع أن يحتكرها أحد، وهذا ما يبرر الجهد الإنساني المتواصل منذ الأزل عبر العلماء والفلاسفة وقادة الرأي في صياغة مبادئ التفكير السليم، وخلال مراحل هذا الجهد كان التطور الإنساني يرتبط في الغالب بما يحققه من تقدم في مجال منهجية التفكير.

ويثار الآن سؤال مهم: هل يمكن القول إن الإنسان توصل إلى صياغة نهائية لمبادئ التفكير السليم وقواعده؟

إن المقدمات السابقة تجيب عن هذا السؤال بالنفي، وهذا يعني أن الاجتهاد البشري ما يزال متواصلًا في هذا الميدان وعلى مستويين اثنين:

1 – مستوى عمودي: بتعميق المبادئ القائمة وتطويرها وتقريبها أكثر من الدقة والكلية، والسعي إلى تكميمها (من الكم) وجعلها قابلة للقياس والضبط والتعميم، ولا يتصور أن يتوقف مد هذا الاجتهاد عند حد إلا حد العجز عن الكمال والإطلاق.

2 – مستوى أفقي: بتعميم انتشار قواعد التفكير السليم وإشاعتها، أي تعزيز «شرعيتها» على أوسع نطاق بشري ممكن، عوض أن تبقى من احتكار نخبة محدودة.

إن العجز عن تحقيق الغايتين السابقتين يؤكد عجز الإنسان عن بلوغ الكمال، إذ الكمال لله وحده.

ثم إنه يؤكد أيضًا حقيقتين قرآنيتين هما:

– قوله تعالى: «يا معشر الإنس والجن إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان»، والسلطان على رأي عديد من المفسرين هو العلم، وهذا يعني أن مجال الاجتهاد العلمي لا حدود له مكانًا، ولا نهاية له زمانًا.

– قوله تعالى: «… وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا» فمهما بلغت حصيلة اجتهاد الإنسان فإنها تبقى – على عظمتها– هزيلة أمام علم الله جل جلاله الذي أحاط بكل شيء علمًا.

ليس التفكير في الجوهر إلا استثمارًا إيجابيًّا لتراكمات من المعارف، والعادات الذهنية المكتسبة، والخبرات المجمعة، أما العبقرية في التفكير فهي كما يقول يونج: «المعرفة الكامنة في الفطرة، وهي بأكملها شيء خاص بنا»(2) وإن القدرة على التفكير العلمي لا تحتاج فقط إلى كم متزايد من المعرفة -وإن كانت لا تستغني عن ذلك- ولكنها تحتاج أيضًا إلى منهجية صحيحة تتخلص من العادات الذهنية الخاطئة أو غير الناضجة المتكونة بفعل المحيط الاجتماعي، والثقافي، والتربوي، والقيمي السائد.

فكثيرًا ما لا نفكر: «حسب طبيعة الأشياء، ولكن حسب عادات فكرية توجه فكرنا مبدئيًّا في اتجاه معين، سواء كان هذا الاتجاه صالحًا يناسب فعلًا ما تقتضي المشكلات من الحلول أم لا يناسب»(3)، وعادة ما تفرض هذه العادات سطوتها تحت تأثير السلطة العائلية أو المدرسية أو الاجتماعية، وتصطدم كل محاولة لتعديلها بالرفض والمقاومة.

وعندما نتفحص طرائق تفكيرنا نجد بعض هذه العادات، قد لا نستطيع حصرها، ولكن قد نملك القدرة على تحديد أخطرها، ومنها:

1 – السطحية sinplicité الخالية من العمق، الفقيرة للخصوبة، تصنعها الأحكام القائمة على الانطباعات العابرة، والملاحظات السريعة، وفي هذه الحالة يفقد التفكير أهم خاصية له وهي «الوعي» وحضور الإدراك، وبالمقابل تهيمن نزعتا «السهولة» و«التسطيح».

2- الذاتية subjectivité أي أننا لا نريد أن نرى الأشياء كما هي في جوهرها وحقيقتها، ولكن نصيغها كما تريد ذواتنا ومنطقنا، ونضع لها التفسير الذي تطمئن له أنفسنا، ولا نريد أن نسمع غيره، بغض النظر إن كان ذلك صحيحًا أم خطًا.

3- الذرية Atomisme وهي صيغة جعلها المفكر مالك بن نبي إحدى لوازم العقل العاجز عن التعميم، وهي تعني تغييب شمولية النظر والتفكير وتجزئة القضايا ذرة ذرة، وبعبارة أخرى هي إهمال العلاقات التي يمكن أن تربط بين قضية وأخرى، سواء في حالة التشابه أم في حالة التباين.

4- النمطية Typésme أي محاولة قولبة التفكير في أنماط جاهزة تقدم وكأنها غير قابلة للخطأ، وأنها صالحة باستمرار، وأن أي محاولة لنقضها أو تجاوزها أو تعديلها هو انحراف عن الصواب، أو تجاوز للمعتاد.

تمثل هذه العادات بعضًا من خصائص التفكير العاجز الذي لا ينتج في النهاية إلا الوهم والذهول والانصراف عن سبيل الصواب، بل تتسبب في كثير من الأحيان في سوء الفهم وتوتر العلاقات الإنسانية، فضلًا عن أنها تعيق الإبداع، وتحد من فعالية التعامل الصحيح مع الإشكاليات التي نواجهها.

إن تحسين أساليب التفكير ليس هدفًا في حد ذاته، ولا ترفًا نتسلى به في أوقات فراغنا، ولكنه شرط أساسي، وعامل حاسم في تطوير قدرتنا في التعامل مع الحياة وتحدياتها وحاجاتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست