من المعلوم أن الاختلاف سنة كونية وضرورة لسير الحياة، كما أن عقولنا ليست معلبات جاهزة بل هي تفكر بطرق ورؤى  مغايرة عن بعضها بعضًا، لكن حينما يتعدى الأمر من الاختلاف إلى الخلاف فإن الصراع يتجاوز المفهوم ليقع في ساحات الواقع على شكل حرب أو أزمة لا نهاية لها.

في زمننا الراهن نخوض معاركـًا لا تلتقي فيها سيوف، ولا نتبادل داخل ساحاتها الرصاص الحي، بيد أن هذه المعارك لا تقلُ ضررًا عما يحدث في واقعنا العربي والإسلامي من حروب وصراعات مختلفة، افتعلناها بفضل المواقع الافتراضية (مواقع التواصل الاجتماعي) التي جاءت بعالم مفتوح لكل فئات المجتمع، ولا مكان فيه للتفاوت، وكان لها دور مهم في الربيع العربي، حيث كسرت حاجز الصمت والخوف ووفرت إمكانية التواصل بين الشباب الذي أُجهضت أحلامه، وقُتلت آماله على أيدي الأنظمة، فوجد في تلك المواقع فرصة للتعبير عن أرائه التي تزعج أجهزة أمن الدولة.

في معترك تلك المعارك، تنتهي الأخلاق الحميدة وتطفو على السطح الأخلاق السيئة، وتَظهرُ ثقافتنا المزعومة التي نرى بها الآراء ونحللها وَفقـًا لزاويتنا الخاصة.

سابقـًا أشاد كثيرون بـ فيس بوك وتويتر بعدما حدث التغيير الجزئي، لكن سرعان ما تحولت هذه المواقع إلى منصات إطلاق التُهم، وأماكن حملات ضارية تُحول الصورة القبيحة إلى حسنة والعكس.

ـ منشورات وتغريدات تفتح أبوابًا من الجدل العقيم، وتُشعل نار الخلاف على أمور لا تستحق.

حتى السياسيين العرب غرقوا في هذا المجال، ويستلذون بهذا الصراع الافتراضي، فالبداية كلام ثم يتحول إلى ضجيج يُنشر على الصحف والمواقع الإلكترونية ويُشكل فيما بعد رأي واتجاه معين حول حدث أو قضية محددة.

يستنزف الجدال طاقاتنا وجهودنا، وبدلاً من البحث عن حلول لمشاكلنا ولم شتات فرقتنا التي تتسع يومًا بعد يوم، نُعمق كل انقسام بكلمات لا نحسب آثارها ونرفق ذلك بــ #هاشتاق.

بل وصل الحال ببعض المغردين، إلى الاستمتاع بالصدى السلبي الذي حققته التغريدة أو المنشور. تُخيل إلينا نشوةً وهمية حين ننتصر على خصومنا في الرأي حتى إن كانت آراؤنا تفتقر للواقعية وللأدلة، المهم هو الانتصار على الخصم!

تركنا قضايانا الرئيسة التي يجب أن نناقشها، ونبحث معًا حولها لتقويمها إن كانت في صالح الأمة، أو نشر الوعي حول مخاطرها إن وُجد فيها خطر على مجتمعاتنا.

من أهم آثار ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي، هو زيادة اتساع الهوة بين فئات المجتمع، والانعزال عن العالم الحقيقي، ومن ثم الغوص في مشكلات وتفاصيل وفروع لا تخدم قضايانا ولا تعطيها حلولاً أو معالجات.

ولأن هذا العالم الوهمي لا يعترف بالتفاوت، فكل الناس يصبحون  بنفس المستوى، وهذا يأخذ جانبين سلبيًا وإيجابيًا، كلهم يعبرون بما أرادوا ليصل صوتهم، بيد أن هذا صوت الإرادة يأخذ  منحى آخر، دينيًا وسياسيًا واجتماعيًا، وكل يفسره حسب رؤيته الخاصة ويدافع عن رأيه بشراسة وغالبًا ما يصل بعضهم إلى مهاجمة جميع الآراء المخالفة له دون استثناء.

لقد حولنا اسم مواقع التواصل الاجتماعي بسبب معاركنا إلى مواقع التنافر والتناحر الديني والسياسي والاجتماعي، لنسأل أنفسنا، هل الأمة تحتاج إلى هذه المعارك الوهمية الافتراضية؟

معرفة الاختلافات وتقديرها أمر مهم، في نقاشاتنا وسيرتقي بالحملات الهجومية التي اعتدنا على رؤيتها في التعليقات والردود على ما يُنشر في مواقع التواصل الاجتماعي من كافة فئات المجتمع،  لننشغل بمعاركنا الحقيقة، ونبتعد قدر المستطاع عن الوهمية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد