قيمة الشخص ليس بما يحمله من لقب بل بما ينتجه من عمل، فلقبي الأبوة والأمومة رغم قدسيتهما لكنهما يصبحان بلا قيمة عندما يكونا للتجمل والرياء، وهذا لا يمكن أن يجتمع مع معانيهما الحقيقية، وهو ما يجعلنا نتعامل بحذر شديد مع الألقاب، فلا يمكن أن نعطي أي لقب قدسية، ما لم يكن حامله يتحلى بأخلاق ذلك اللقب ويكن أهلا له، وهذا ينطبق على المعلم والموظف والعالم والمسؤول و و و…، فقدسية الأسماء التي  يحملونها لن تُضيف لهم شيئا، ما لم يكن حقيقيًا وقد استحقوه عملًا وخلقًا.

وهذا يعطينا حق النقض، في أن نعطي وأن نمنع أو نجرد من لا يستحقون ألقابهم، فهل يعقل أن نقدس أبًا أو أمًا أو مدرسًا أو طبيبًا أو عالمًا لأنه يحمل هذا اللقب، إطلاقا لا، لأننا نرتكب جريمة بحق أنفسنا وبحق تلك الألقاب التي وجدت لإحياء الأرض لا لتدميرها، ونحن إذا انجرفنا مع التقديس المتبع سنكون أول ضحاياه، لأنه سيفتح باب الغرور والرياء على مصراعيه، وسيكون هم الجميع أن يراهم الناس بالصورة المثالية، وهذا باب خطر سيقلب موازين الحياة.

ولنا في تجارب الدول الحديثة التي واكبت التطور والحداثة أسوة حسنة نقتدي بها ونطبقها، لأنها اهتمت بالعمل وقدسيته، قبل أن تقدس الألقاب، فتميزوا فتميزت ألقابهم وشخصياتهم، بما أنتجوه من حضارة وعلم، لا بما امتلكوه من جدل وكلام لا يغني ولا يسمن من جوع.

وما نراه من تخلف ورجعية وانشغال بتفاهات الأمور وصغائرها في دولنا، ممن يتمسكون بالألقاب وتستهويهم الأضواء لاعتقادهم أن هذه الألقاب هي طريقهم ليحترمهم المجتمع، يستحق أن نقف ضده.

وحتى لا نخدع، ولا نتوغل بالفراغ، ولا تغرينا الصورة البراقة البعيدة عن الجوهر والحقيقة، يجب علينا أن نتشدد في هذا الأمر، ونبث الوعي المطلوب، من أجل ألا تتعقد المشكلة وننجر إلى ما هو أخطر، بتجذر هذه الظاهرة في المجتمع وجعلها من مسلماته واعتقاداته دون الانتباه إلى نتائجها، وبالتالي فإن ذلك يوفر بيئة خصبة لتكاثر الألقاب دون أعمالها، مما يولد منظومة اجتماعية تقدس دون أن تجرب أو أن تستفهم.

ففلان طبيب وفلان عالم وفلان مثقف و و…، هو معيار أخلاق الناس وحسن أو سوء تعامل الأفراد والمجتمع معهم، أما معيار الصدق والأمانة والبذل، الذي من المفترض أن يكون هو الأساس، لا نجد من يهتم به، وبالتالي نحن أمام مشكلة كبيرة، متمثلة «بالنفاق الاجتماعي» الذي قد يجر البعض إلى أن يسلك مسلك القطيع.

وبالتالي فإننا ننتج شخصيات منفصمه، تحاول أن تهرب من سوء واقعها عبر ما تختلقه من أعمال وإنجازات وهمية، لتكبر أمام نفسها، وتسوق ذلك الكذب إلى المجتمع ليصاب بما أصيبت به.

وهذا لعمري يحتاج إلى إعادة شاملة، لمنظومتنا الفكرية، لنصلح سلوكنا، لينعكس على أعمالنا، ولا أظن ذلك سيكون قريبا، إلا إذا تكاتف الكل من أجله، وهذا هو المحال في الوقت الحالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد