لدي ألف صديق على «فيسبوك»، أتكلم معهم جميعًا، لكن لا أحد منهم يعرفني حقا، المشكلة التي أعانيها هي عدم القدرة للنظر في عيونهم، وأنا أكتب أسماءهم على شاشتي.

حين نفتح حواسبنا وندخل إلى مواقع التواصل؛ فإننا نخرج من عالم الواقع، ونغلق على أنفسنا في العالم الافتراضي، كل هذه التكنولوجيا جعلت العالم قرية واحدة وقربت البعيد، لكنها أبعدتنا عمن هم أقرب منا على الواقع، كل منا مشغول على هاتفه، ولا يرفع رأسه لينظر إلى وجه أخيه، أو من يجلس معه.

تتدفق عواطفنا ومشاعرنا على صفحة فيسبوك، ونضع صورة رفقة أحد الأصدقاء، ونكتب أننا نشعر بالحب وكل العبارات الجميلة، لكن لم يسبق لنا أن قلناها على الواقع.

أصبحنا ننشغل بتوثيق اللحضات السعيدة، بدلًا عيشها لحظة بلحظة، نلتقط مئات الصور بهواتفنا الذكية، حتى «ألبوم» الصور تحول من الواقع الذي كنا نجتمع عليه مع العائلة، ونشاهد الصور ونتذكر أسعد اللحظات تحول إلى ألبوم صور افتراضي نشاركه مع آلاف الأصدقاء الذين لا نعرفهم حتى.

أصابنا الغرور حيث نسعى لمشاركة أفضل ما لدينا مع الآخرين، ونسينا أن هناك من حرمته الظروف لعيش نفس التجربة.

نتعاطف مع مختلف القضايا ونشارك الصور والمنشورات وبمجرد أن نطفئ الشاشة ننسى كل ذلك.

جعلنا من هذه المواقع نافذة مفتوحة على حياتنا الشخصية، ونخبر الناس بكل ما نفعل، ونحن لا نعلم حقًا من قد يكون أصدقاؤنا، أصبحت معلوماتنا تباع وتشترى ونحن سعداء بذلك.

نضخم الأمور ونبالغ في المجاملات ونخدع أنفسنا قبل الآخرين ونتظاهر بالإعجاب بمنشور فقط لنقول إننا هنا، نعلق فقط من أجل التعليق، ولا نحاول أن نفهم حقًا ما يعنيه.

نصدق الشائعات ونشاركها دون أن نتقصى ونتأكد من مصدرها، نغضب ونتهجم على من يخالفنا الرأي ولا نجتهد لفهم المعنى والمغزى من كلامه.

تتيح لنا هذه المواقع الدخول لصفحات أكثر احترافية ومصداقية لمختلف المجالات، مع ذلك نفضل الصفحات الوهمية؛ لأنها مسلية، ونجهل أن بعضها يعمل على إيصال رسائل خفية.

الكل يريد أن يظهر بمظهر المثقف؛ فيتتبع زلات الناس على المواقع، ويسرع بتصحيح أخطائهم بشراسة، وينسى أن النصح يكون سرًا.

«على الإنترنت إذا أردت أن تعرف شيئًا ما، لا تسأل، ولكن انشر الإجابة الخاطئة»- قانون كانينجهام،
أي أن الاشخاص على الإنترنت لا يهتمون بمساعدتك بقدر اهتمامهم بتصحيح أخطائك والظهور بمظهر الأذكياء والعارفين.

نعيش ضعفنا على مواقع التواصل ليتعاطف معنا الناس، ويطربوا أسماعنا بأجمل العبارات، نشارك أجمل التغريدات وأرقاها، ولا نعمل على تطبيقها في حياتنا اليومية.

«لو طبق المغردون نصف ما يكتبون؛ لكنا من أرقى المجتمعات»

نجتهد ونتفنن في الدعاء؛ علنًا ونستعجل فيه سرًا، نتأثر بالمقاطع الصوتوية والمرئية لأجل الأصوات في قراءة القرآن ونحن نهجره في واقعنا.

ساهمت هذه المواقع في ظهور العديد من الشخصيات ذات الطرح السطحي والأفكار البذيئة المنحرفة عن مجتمعنا وأصبحت لها شعبية.

وكما يقول بعض المغردين «اليوم الشهرة أصبحت سهلة، فكل ما تحتاجه هاتف ذكي وبعض الجرأة وقلة الأدب، أو جمال وسخافة واستعراض».

عشرات الساعات تضيع منا أسبوعيًا، ونحن أمام هذه الشاشات نتابع صفحات الترفيه والتسلية بدلًا من أن نستغلها في تعلم شيء جديد كل يوم.

لم نعد ندرك أن هذه المواقع أصبحت أداة في أيدي القوى الخفية لتوجيه الرأي العام، وسيلة لإدارة الأعمال، ومنصة تجارية مفتوحة، وغرفة تعليمية مجانية، ونحن لانزال نقول إنها موقع التعارف لا غير.

«صحيح أن مواقع التواصل الاجتماعي لا تعكس شخصيتك الحقيقية، لكنها تعبرعن اهتماماتك وعمق فكرك».

فمن خلال ما تنشره وما تشاركه يمكن لأي شخص أن يعرف طريقة تفكيرك، وما الأمور التي تهتم بها، ومن الأفكار السلبية التي يجب أن نتجنبها أن مواقع التواصل مجرد فضاء افتراضي لا يستحق أن نعطيه تلك الأهمية فننشر ما يحلو لنا، كم من المواقف الغربية والمحرجة التي وقعت فيها شخصيات بارزة في المجتمع كانت مواقع التواصل سببها الأول؟

إن مواقع التواصل اليوم أصبحت أداة تغيير وسلاح ذي حدين، فجيب علينا أن نحسن استخدامها والتعامل معها بحكمة، اجعل منها وسيلة لنشر أفكارك البناءة والمشاركة في نقاشات جدية هادفة، لا تتبع أي شخص، بل اختر أرقى الحسابات واجعلها المفضلة، حتى تغذي عقلك بالعلم والمعرفة، وحاول أن تكون منتجًا، لا مستهلكا فقط، فمن أراد الوصول، فعليه أن يقلل من المنقول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد