تبدأ الحكاية عندما يبلغ ذاك الطفلُ البريءُ سنَّ الحُلُم؛ يتحول تفكيرُه من قصص الكرتون، وصراعات «توم وجيري» إلى طرق وأساليبَ التواصل المختلفة مع الجنس الآخر، ويَعكُف أمام الأفلام الشاعرية (الرومانسية)، وتمتلئ ذاكرته بالأغاني وروايات الحب.

في هذه المقالة لن أتحدث من منظورٍ ديني خالصٍ؛ لأني لستُ رجلَ دينٍ كي أحللَ وأحرمَ وأفتيَ دون علم، بل هي وجهة نظر قد يتفق معي فيها البعضُ، ويختلف البعضُ الآخر، ولا حرج إن ذكرتُ فيها نصوصًا دينيةً أو أقوال علماء.

تبدأ الحكاية عندما يبلغ ذاك الطفلُ البريءُ سنَّ الحُلُم؛ يتحول تفكيرُه من قصص الكرتون، وصراعات «توم وجيري» إلى طرق وأساليبَ التواصل المختلفة مع الجنس الآخر، ويَعكُف أمام الأفلام الشاعرية (الرومانسية)، وتمتلئ ذاكرته بالأغاني وروايات الحب، ويتعاطف مع ذلك البطل المجروح من حبيبته الخائنة، ويتمنى لو أنه حبيبُ تلك الفتاة الجميلة التي أسر حُبُّها قلوبَ الكثيرين.

وتصل المصيبةُ إلى ذروتها عندما ينتقل ذاك الشاب إلى المرحلة الجامعية، وترى عينُه العالمَ الجامعي المنفتح الذي يُتاح له فيه ما هو ممنوع خارجه، وتتحول أفكاره وأحلامه في التواصل مع الجنس الآخر إلى واقع ملموس؛ ويُطبِّق تلك الوسائل التي طالما تخيل نفسه يسلكها للوصول إلى غايته.

كانوا قديمًا يُخفون إعجابهم خشيةَ أن يُظَنَّ فيهم سوءًا، أما الآن يتحدثون دون حياء ولا حرج، ولم يعد الأمر (إظهار الإعجاب أو الافتتان بمعنى أدق) مقتصرًا على الشباب باعتبار أن البنات بطبيعتهن خجولات؛ بل أصبحن هن الأكثر إظهارًا لذلك تحت مسمى «الكراش – Crush».

أسباب المشكلة:

إن للأهل دورًا عظيمًا في تكوين شخصيات أبنائهم، إما يُخرجون ابنًا ذا خُلق يُحسن معاملة الناس، ويعرف ما له وما عليه تجاه أبناء مجتمعه (خاصة الفتيات منهم)، أو شابًّا طائشًا يتلاعب بهذه وتلك بدعوى أنه «مقطع السمكة وديلها»؛ وما أكثر الآباء الذين يشجعون أبناءهم على ذلك، والأفجع من ذلك الأمهات اللواتي يُساعدن بناتهن على إظهار مفاتنهن «عيشي حياتك أنتِ لسه صغيرة»!

الحياء خُلُق ديني

عَنْ أَنَسٍ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ»، وانعدام الحياء يرجع إلى قلة الدين، واتباع الهَوى، والتقليد الأعمى للغرب دون تفكير؛ فالآباء لا يُوَجِِّهون ولا يُحَذِِّرون، ويجلس الرجل بجانب أطفاله ويشاهد الراقصات على شاشة التلفاز ولا يستحي، فإن كان ربُّ البيت بالدُّف ضاربًا فما حال أهل البيت؟

وأصبحنا نتبع ما نهواه قبل التفكير في كونه صحيحًا أو خطأً، ومن أعجب العجب أن ترى من يَحْسِبون أنفسَهم على الملتزمين دينيًّا يصادقون الفتيات، أو إن شئت قُل المتشبهات بالملتزمات يُصاحبن الشباب، ويعتقدون أن حدود التعامل تنحصر في ألا تكون هناك مشاعر «No feeling»، يبدو أنَّهن لم يقرأن: «…فَانكِحوهُنَّ بِإِذنِ أَهلِهِنَّ وَآتوهُنَّ أُجورَهُنَّ بِالمَعروفِ مُحصَناتٍ غَيرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخدان»… [سورة النساء: 25]، وأخدان جمع خِدْن أي صديق، فإن لم تستحِ فافعل ما شئت، ويجب على المُربين وكل من له صوت مؤثر أن يُنوِّهَ ويُوضحَ للشباب دينَهم، ويجب على الشباب أنفسهم أن يتمسكوا بدينهم، ويسألوا أهل العلم حتى لا نهلك بأعمالنا.

ولا يعني هذا أن العفيفات الخَلُوقات انقرضن، بل ولله الحمد هن كثيرات، ولكن الشوائب تعلو على سطح الماء، والشعاب المرجانية تظل في قاع البحر الصافي لتزيدَ من جماله، وتترك الفضلات تطفو، ومن غيرهن (الخَلُوقات) أيضًا الكثيرات اللواتي لا يعرفن أن ما هنَّ فيه هذا حرام، ويتعاملن بصفاء نية، فيدخلهم الناس ضمن قائمة معدوماتِ الحياء، وإن عَرَفْنَ الصحيح؛ اِلْتَزَمْنَه واستقمن، فنبهوا هؤلاء قبل فوات الأوان.

وبقول الشاعر أختم:

إذا لم تخـش عـاقبة الليـالي  *** ولم تستحِ فاصنع ما تشاءُ
يعيش المرء ما استحيا بخير *** ويبقى العود ما بقي اللحاءُ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد