تحتمي بسمة ذات الست سنوات في أريكتها، تغوص فيها وتحني قامتها جالسة؛ لتتمكن من أن تلصق عينها بشاشة الهاتف الجوال تأنس به وتلتجئ إليه تهرب من محيطها الذي تغترب عنه.

أما أمجد ذو العشر سنوات، فهو منزوٍ على مكتبه يعيد خلط المياه الغازية مع مكونات أخرى؛ لتنتج فقاعات هوائية متزايدة الحجم تنفجر في هدوء، يعيد تلك التجارب المفيدة التي يستمتع بمشاهدتها عبر اليوتيوب.

أم أمجد، تلك السيدة المجدة، التي تقضى جل وقتها بين أطباقها وصحونها، وأعشابها ذات الرائحة الذكية، تقبع في ذلك المعمل جل النهار وقليلاً من الليل. تخلط وتسخن وتطحن وتذيب وتشم وتتذوق. هي طباخة ماهرة جدًا، تأبى أن يأكل أولادها إلا من صنع يديها، وهي متقنة جدًا ومتفانية جدًا، تجيد صنع كل أصناف الطعام الحلو والمر، والحار والبارد، والمشوي والمقلي و، و. لا تكاد تمر بجوار باب شقتها إلا وتستنشق أذكى الروائح المنبعثة من خلطاتها السرية، أو أبشع الروائح المنبعثة من تنظيف الأسماك، وتحضير الدجاج، وتقطيع اللحوم.

ولا تكاد تطالع وجهها إلا وتجده قد انتقع حمرة ولهيبًا، وتزين بعبق الدخان الأسود وصار كوجوه العمال الأوروبيين في مناجم الفحم ومصانع الصلب إبان نهضة أوروبا الصناعية. ينتج مصنعها كميات هائلة من الأطعمة اللذيذة التي تفشل في إقناع أمجد وبسمة بأن يأكلوها، فيستقر معظمها في قاع الثلاجة لأيام، ثم يؤول بها المآل إلى قاع القمامة فالمصنع ينتج أيضًا كميات الهائلة من القمامة.

تصرخ في أبنائها عدة مرات في اليوم صرخات متقطعة متعبة مصحوبة بدخان الأفران، وعرق الوجه الملفوح بحرارة النيران: «المذاكرة، المذاكرة»، ثم تسكت لساعة وتطلق صرخة أخرى: «حل الواجب»، وهي مهتمة بحياة أولادها الروحية؛ فتطلق صرخة أخرى في ميعاد «صلاة المغرب، الصلاة» «يا زفت»، «حرام عليك أنت مش صغير قم لتصلي».

أما أبو أمجد فيدور في طاحونة الحياة من عمله الصباحي إلى مشروعه المسائي، وإلى تجارته إلى زراعته، حتى ينتهي يومه وتستنفذ طاقته، ويعود منهكًا مستسلمًا لا يكاد يقدر على أن يطالع وجه أبنائه الغرباء وزوجته المتهالكة المستنفذة في أعمال مصنعها الضخم.

وفاء أم جميلة مطبخها بسيط ومنظم، تصنع فيه أكلات بسيطة، وتقضي فيها وقتًا قصيرًا لا تكاد تكون وحيدة أبدًا، هي تشرك ابنتها سارة الصغيرة في كل شيء وفي كل عمل، ومع أنها تعرف أن وجود سارة يعطلها ويقلل من كفاءتها ويبطئ سرعتها، ويقلل من جودة أدائها، فإنها تدرك جيدًا أن مشاركتها هي السبيل الوحيد لبناء علاقة وطيدة مع ابنتها منذ الصغر، فهي تستغل جيدًا أوقات انشغالها في أعمالها المنزلية في تحقيق هدف أسمى، وهو الارتباط بسارة وتعليمها وتربيها وحبها.

تشرك أناملها الصغيرة في ما تفعل، وتفرح بإنجازتها المتواضعة، وتصفق لها كلما أحسنت وتوجهها كلما أخطأت. ترضى بأخطائها الصغيرة وتتقبلها في سبيل الاندماج مع ابنتها ومشاركتها حياتها، وإنقاذها من العزلة. تدرك جيدًا أن عزلة ابنتها ستمنحها مطبخًا مرتبًا وأطعمة لذيذة، ولكنها ستسرق منها قلب الصغيرة الغض الجميل، وستسرق سنين أمومتها بين جدران مطبخها المتواضع.

وفاء لا تصرخ في ابنتها إذا حان وقت الصلاة؛ بل توقف أعمالها في مطبخها وتستعيد ترتيب أولوياتها، وتهمس في أذن سارة: يجب أن نتوقف الآن حان وقت الصلاة. وتشارك ابنتها الوضوء في هدوء وصبر وسكينة، وتعلمها بدون كلمات فتنظر سارة، وتكرر ما تفعله أمها مبتسمة ومستمتعة. وتقف لتصلي الأم، وتتبعها ابنتها في حركات يسيرة وسهلة ووادعة.

لا تعطي وفاء الأولوية لأعمال المنزل والمطبخ على أهميتها، ولا توجه لها جل اهتمامها وتركيزها؛ بل تدرك أن هناك الأهم قبل المهم، والأحسن قبل الحسن، والممتاز قبل الجيد، فإن كان ولا بد من تقصير فليكن في المهم وليس الأهم، وإن كان من نقص فليكن في طعام الأجساد وليس في غذاء الأرواح وحاجات النفس، وليكن في نوعية الغذاء وليس في دفء المشاعر وروعة الإحساس.
إن اندماج وفاء وسارة هو اندماج تام ومشاركة قوية ولصيقة في كل وقت وعلى أية حال، وفي أي مكان لا تتوقف على وقت معين، ولا تنتظر أن تسمح الظروف أو تنتهي أعمال البيت، والتي غالبا لم ولن تنتهي.

إن أطفالنا اللاجئين الغرباء تفصلنا عنهم أمتار بسيطة، ولكن بين أرواحنا وأرواحهم مئات الأميال تضمنا ذات الجدران، ولكننا غارقون في عالمنا وهم غارقون في عوالم أخرى بعيدة لا نعرفها ولا نفهمها. أولادنا لاجئون بين أيدينا في عوالم يوتيوب وإنستجرام وفيسبوك التي تبتلع أرواحهم وعقولهم وقلوبهم.

كيف نرضى بلجوئهم وغربتهم ونحن نملك لم شملهم واحتضانهم، هم يختنقون أمامنا ونحن بأيدينا الحياة. يجب أن نشاركهم حياتهم وأن يشاركونا حياتنا.

«المشاركة والاندماج» هي  كلمة السر التي تبدد هذا السحر العظيم، وتزيح عن أعينهم دخان السحرة المخيف وتنقلهم من عالم الخيال الافتراضي الزائف المظلم إلى عالم الحياة الحقيقية.

علينا أن ننتشلهم برفق من غياهب الغزلة إلى نور الحياة، ومن اكتئاب الوحدة إلى واحة العقول والأرواح الفرحة والقلوب. علينا ان نشركهم في كل شيء وأن نمنحهم الحياة ولا نتركهم غرباء لاجئين في عوالم تقتل ولا ترحم. يتحتم علينا اتباع الاستراتيجيات الآتية.

استراتيجيات بناء علاقات قوية طويلة الأمد بين الآباء والأبناء

  1. تقوية علاقات الأب مع والديه وأسرته السابقة حتى يقدم نموذجًا وقدوة للأبناء في علاقاتهم معه واحترامهم له.
  2. التحكم في الانفعالات والمزاج العام، وتغليب الحكمة والتوازن في التفاعل مع الأبناء وممارسة الصبر وبذل الجهد والوقت والمال التي يتطلبها بناء العلاقة القوية مع الأبناء.
  3. عدم التذمر أو الشعور بعدم الرضا أو عدم الجدوى في ذلك.
  4. الدعم المادي والنفسي والاجتماعي لبناء وتعزيز العلاقة مع الأبناء.
  5. الاستماع المفيد للأبناء وتفهم حاجاتهم، ثم الاستجابة لرغباتهم في الوقت والوسائل المناسبة لذلك، واتباع وسائل الاستماع والاندماج في حياتهم.
  6. الانتباه والإصغاء الكاملان لما يقوله ويعبر عنه الأبناء.
  7. الحد من المشوشات الجانبية لعملية الاستماع بإغلاق التلفاز أو الانتقال إلى مكان آخر من المنزل.
  8. توجيه الأسئلة لاسيتضاخ ما يقوله الأبناء، ومساعدتهم في توجيه وتركيز حديثهم عن أنفسهم ومشاعرهم.
  9. النظر إلى الأبناء أثناء الاستماع إليهم، والاتصال البصري عينًا بعين، مع ملاحظة انطباعاتهم وتعابير وجوههم والاستجابة لهم.
  10. تزويد الأبناء بتغذية راجعة حول ما يقولونه، وتكرار بعض تعبيراتهم وألفاظهم لتأكيد انتباه الأب واستماعه الجاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

*كتاب الزواج وبناء اسرة امنة و صيانة و تعزيز الاستقرار الاسرى محمد زياد حمدان
عرض التعليقات
تحميل المزيد