إن جل النشاطات العسكرية للدول ضد أية دولة في أرضها يسمى احتلالًا أو استعمارًا، والذي يعرف بأنه ظاهرة تهدف إلى سيطرة دولة قوية على دولة ضعيفة، وبسط نفوذها من أجل استغلال خيراتها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي بالتالي نهب وسلب لمعظم ثروات البلاد المستعمرة، فضلًا عن تحطيم كرامة شعوب تلك البلاد وتدمير تراثها الحضاري والثقافي – والذي هو في حقيقة الأمر استدمار – إلا أن المسلمين يطلقون اسم الفتوحات الإسلامية على نشاطهم التوسعي العسكري على الأراضي المجاورة لهم.. فما الذي جعل الفتوحات الإسلامية ليست احتلالًا كسائر الغزوات التوسيعية على مر التاريخ؟

بين الفتوحات الإسلامية والاستعمار

إن الاستعمار الغربي أبعد ما يكون عن الفتوحات الإسلامية ظاهرًا ومقصدًا، وها هي بعض النقاط توضح ذلك:

  1. هدف الاستعمارات الغربية هو استنزاف خيرات الشعوب، أما الفتوحات الإسلامية فلم تكن تخرج شيئًا من خيرات البلدان المفتوحة، ونذكر قصة محمد بن عروة لما دخل اليمن واليًا قال: يا أهل اليمن هذه راحلتي فإن خرجت بأكثر منها فأنا سارق.
  2. في كل الاستعمارات أستهدف الصغار والكبار والنساء، أما في الفتح الإسلامي، فكان يوصى بأن لا يقتل من لا يحمل سلاحًا، ولا يتعرضوا لامرأة ولا لشيخ ولا لطفل.
  1. كان الاستعمار يستهدف أماكن العبادة وهوية وتاريخ الشعوب فيمحوها ويبيدها، أما في ديننا الحنيف فأمرنا باحترام المعابد والكنائس وعدم إيذاء رجال الدين، ونذكر إرجاع عمر بن العاص للبابا بن يمين الحكيم بعدما نفته الروم من بلده.
  2. في الاستعمار لا يبقى أي حكم ولا سلطة لأهل البلد، أما في الفتوحات الإسلامية فكان المسلمون يحترمون حكام البلاد ويعلون قدرهم ويختارون حاكمهم منهم.
  3. جميع النشاطات الاستعمارية جاءت بدون سابق إنذار، أما الفتوحات فكانت تأتي بعد إرسال دعاة للإسلام، فإن اضطهدوهم أرسل معهم جيشًا لفتح البلاد.

أما عن الجزية، فعلى الرغم من أن الجزية ليست بشيء ابتدعه المسلمون، بل كانت تؤخذ من الدول المغلوبة قبلهم، إلا أنه أثير جدل كبير حولها.

والجزية هي ضريبة يأخذها المسلمون من أهل الكتاب مقابل الدفاع عنهم، وترد اليهم في حال فشلوا في دفاعهم عنهم، فكان الذي يدفع الجزية لا يلزم بما يلزم به المسلمون تجاه الدولة، كالدفاع عن قضية تخص المسلمين وغيرها من الالتزامات، وأيضا كانوا لا يلزمون بإعطاء الزكاة لبيت مال المسلمين. وقدر كان للخلافة حق إسقاطها ففي قصة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما رأى رجلًا يهوديًا كبير السن لا يستطيع دفعها، فأمر بدفعها من بيت مال المسلمين. ويلزم بدفع الجزية فقط:

  • الرجال، ولا تدفعها النساء.
  • الكبار البالغين، وليس من الأطفال.
  • الأصحاء، وليس المرضى.
  • الأغنياء، ولا تؤخذ من الفقراء، وتلتزم الدولة بالإنفاق على الفقراء من المشركين من بيت مال المسلمين.

أما عن قوله تعالى: حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ففي القرآن الحكيم لدينا سباق ولحاق وسياق، فلا نستطيع تفسير الآية وحدها دون النظر لسياقها. فالآية تتكلم عن المسيحيين الذين هم الروم آنذاك، وكانوا أعداءً للمسلمين، فأمر الله المسلمين أن يقاتلوهم حتى يؤمنوا أو يدفعوا الجزية، وهم صاغرون؛ لأنهم أظهروا العداء للإسلام.

وفي الأخير نستطيع أن نقول: إن زمن الفتوحات قد ولى؛ لأن منابر الدعوة مفتوحة في كل دول العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد