بين من ينكرها بتاتًا ويعتبرها ضربًا من ضروب الهلوسات واللامنطق أو السّخف أحيانًا، ومن يمثل الوجه الآخر ويتخذها مبرهنة ساطعة تنسف كل المعتقدات الإلحادية أو تلك التي تنكر وجود حياة ما بعد الموت.

بين هذين الحدين تتخذ مقالتي مكانة لستُ أظنها وسطيّة بالمعنى الحرفي للكلمة، لكنّها وقفة جدية لمراجعة وجهات النظر وبعض الأبحاث الحديثة التي حاولت وضع تفسيراتٍ معقولة لمثل هذه الظاهرة الغريبة التي تستحق الوقوف عندها بالتأكيد لدى كل من يمر عليها.

عن الظاهرة والرؤى التي سُجلت عبر السنين

تٌعدُّ ظاهرة مقاربة الموت «الخروج من الجسد»Near Death Experience, out of body experience من الظواهر الميتافيزيقية الأشد غرابة، والتي تم تسجيلها لدى أشخاص ذوي خلفياتٍ دينية وثقافية واجتماعية متباينة؛ إذ يجبُ التأكيد على أنها غير مرتبطة بديانة معينة أو معتقد الحياة ما بعد الموت، رغم أن الكثير من رجالات الدين اتخذها إثباتًا لوجود حياة ما بعد المادة.
القاسم المشترك بين كل من روَوا مشاهداتٍ عن شعورهم بخروج الروح من أجسادهم هي فحوى المشاهدات نفسها، وبقاء الإدراك والوعي وذاكرة ما بعد المشاهدة.

حدثني والدي ذات ليلة سمر عن حالة لا يمكن أن ينساها، كان قد عالجها في إحدى ليالي مناوباته في قسم الاستقبال والطوارئ بالمشفى الذي يعمل فيه.كان رجلًا في الأربيعنيات من العمر، يعاني من أزمة صدرية حادة دخل على إثرها في حالة توقف التنفس «apnea» وبدأت علاماته الحيوية بالهبوط، وصار غير واعٍ لما يدور حوله، كما اصطبغت بشرته وشفتاه باللون الأزرق المعتم، إنها حالة خطيرة تهدد حياته كما يعرف كل الأطباء وتستوجب التدخل السريع والطارئ. بعد الإجراءات اللازمة، بدأ هذا الرجل يستعيد وعيه وأدرك أن روحه عادت إلى جسده بعد أن كاد يتأكد من أنها فارقت الأرض ورحلت إلى العالم الآخر.

لقد مرّ هذا الرجل بتجربة مقاربة الموت، قال لوالدي ليلتها: «أنا اعتقدتُ جازمًا أني قد فارقت الحياة وأن لا عودة، لقد رأيت نفسي أمام نفق طويل مظلم وفي آخره نور عظيم يشع وشعرتُ أن روحي ووعيي قد فارقا جسدي المادي تمامًا!».

تلك ليست المرة الأولى التي سيستمعُ فيها الأطباء لمشاهدات الإشراف على الموت ومفارقة الجسد، خاصة إذا كانوا يتعاملون مع حالات حرجة يتوقف فيها القلب وتنقطع الوظائف الحيوية، أو في حالات موت الدماغ السريري.

لكنّها بالتأكيد ستخلقُ فيك فضولًا لا نهائيًّا لملاحقة وفهم هذه الظاهرة، خصوصًا إذا علمنا أنها سُجّلت مرارًا وتكرارًا لدى أشخاص يحملون خلفياتٍ دينيةً وثقافية متباينة.

حتى نقارب هذه الظاهرة علينا أولًا حصر تلك المشاهدات والتفريق بين أولئك الذين مرّوا بمجرد هلوسات وهؤلاء الذين نقلوا مشاهدات متشابهة يُصاحبها وعي وإدراك لمفارقة الروح للجسد في معظم الحالات.

للقول إنها تجربة إشراف على الموت وبحسب الأبحاث العلمية التي حصرت معظم المشاهدات في مجموعات تتضمن:
• الشعور بالخروج من الجسد، ورؤية الجسد والمحيط المادي من منطقة ما.
• شعور بشفافية «حالة انعدام المادة» أو حالة موجية كما في الفيزياء.
• الدخول في نفق أو مكان ضيق مظلم مع وجود نور أو إضاءة في نهايته.
• رؤية شريط حياة الشخص كصور أمامه، الماضي والمستقبل.
• الانفصال التام عن العالم المادي والدخول في عالم آخر مع إدراك موت الجسد
• حالة من الطمأنينة التامة والسلام والأمن.
• هناك أشخاص ذكروا شعورًا سلبيًا بالخوف والرعب المسيطر عليهم.

الاختلاف حول تفسير الظاهرة

لقد اقترح كثير من المختصين في مجال علم الأعصاب ان هذه الظاهرة ما هي إلا شكل من أشكال الهلوسات المتعددة التي قد تحدث بكثرة فيمن يعانون اضطرابات نفسية عقلية، ومثلها يحدث لمن لا يعاني من أية مشاكل نفسية في حالات الخطر الشديد وعند مواجهة أمر يُهدّدُ الحياة، وأنها لا يمكن أن تكون دليلًا على شيء ديني أو فلسفي؛ لأنها تأتي ضمن حدود «الانفصال عن الواقع المحيط» وهو بدوره التعريف المختصر للذهان «psychosis».

كما رأى كثير من الأخصائيين النفسيينpsychiatrists أنها تعد مثالًا على ميكانزم دفاعي انفصاليdissociative defense mechanism في حالات الخطر الشديد.

أضف إلى أن المتشككين وأصحاب النزعة المادية قد رأوا أنها مجرد «فانتازيا» تخاطب النفس وتعكس التوق الدائم لحالة السلام والأمن خصوصًا أن معظم المشاهدات كانت ذات فحوى تضج بالطمأنينة والراحة والشفافية.

لكنّ مثل هذه النظرة الجاحدة في استنادها على البيولوجيا والسيالات العصبية وحسب، مرجعة كل الأمر لها ولاختلالاتها، لم تصدّني عن البحث في هذه الظاهرة والاعتقاد بأنها أبعد من مجرد «هلوسات بيولوجية» في أدمغة هؤلاء، ذلك أن التغيرات الدماغية التي تصاحب الهلوسات لم يتم تسجيلها في أدمغة من خاضوا هذه التجربة بحسب بحثٍ تم نشره في 2009.

ولعلّني لن أخوض كثيرًا في شرح من رأوها دليلًا دينيًا على الاعتقاد بحياة ما بعد الموت، لكن حريّ بنا أن نطرق باب الفلسفة وتعريفها للوعي بالدرجة الأولى، وللفيزياء الكمية التي قد تحمل تفسيرًا معقولًا لمثل هذه الظاهرة.

قلتُ سابقًا في المقال أن العامل المشترك الذي يدعو لمزيدٍ من البحث هو بقاء الوعي والإدراك محفوظًا لدى الشخص الذي توقف جسده عن العمل بالمعنى الإكلينيكي الطبي أو ممن دخلوا في حالات الموت السريري.

والجدل القائم حول هذه الظاهرة يتلخص فيما إن كان الإنسان قادرًا على تذكر هذه المشاهدات بالرّغم من توقف عمل الدماغ وتسطُّح التخطيط الدماغي Flat EEG، هل يعني ذلك أنه يجب علينا مراجعة ما بُني عليه علم الأعصاب الإدراكيCognitive neuroscience وهو أن وعي الإنسان وذاكرته أمران مرتبطان بنشاط الدماغ؟ هل يُثبتُ ذلك صحة ما افترضه بعض الفلاسفة بأن مسألة وعي الإنسان قد تكون حالة مشتركة في الكون غير مرتبطة بالدماغ والجسد المادي؟

هذا يدعونا لفهم ماهية الوعي بالأساس، وما إذا كان جزءًا لا يتجزأ من توليفة الدماغ-الجسد.
وإن كانت الذاكرة والتي تم الاحتفاظ بها – بشاهد استرجاع المشاهد بعد عودة الجسد وأعضائه للعمل – قد خزنت هذه المشاهد، فإذن هل ستقنعنا فيما بعد التفسيرات البيولوجية البحتة لعمل الذاكرة في أدمغتنا؟

مفهوم التشابك الكمي الفيزيائي Quantum Entanglement Physics

في ورقة بحثية نُشرت مطلع هذا العام – يمكن لكل من يريد الاطلاع عليها مراسلتي – اقترحت ظاهرة التشابك الكمي في الفيزياء كمدخل لفهم جديد يوافق وجهات نظر فلسفية لمفهومها عن الإدراك والوعي البشري.

تعتمد الورقة على الفيزياء الكمية وما يعرف بالـ quantum entanglement لتفسير خلق طاقة أثيرية لكل جسد تكون مخزنًا للمشاهدات سواء كانت في الزمن الماضي أو المستقبلي، وهذا ما يفسر الاحتفاظ بالذاكرة بعد العودة إلى الجسد، رغم توقف عمل الدماغ «سريريًّا».

يقول المبدأ أن تصرفات الجزيئات على المستوى المجهري يختلف كليًا عن الصورة التي نستقبلها نحن بحواسنا على المستوى المرئي. حيث يمكن لجزيئين التداخل والتشابك معًا والتصرف كجزيء واحد، هذا بدوره يخلق طاقة أثيرية والتي يمكننا اعتبارها تفسيرًا معقولًا لما تعرفه الفلسفة والدين «بالنفس أو الروح»، ويسميه العلم «العقل أو الوعي».

لقد اعتمد الباحثون في ذلك المبدأ الاختزالي للاستناد إلى الفيزياء الكمية وما يمكن أن يكون شرحًا لكثير من الظواهر التي تبدو «ما ورائية».

مشاهدة مسجلة عن رؤية أحداث مستقبلية حدثت بالفعل

«Janice» كانت امرأة حاملًا في الأسبوع 36+9 أيام، وقد كانت بصحة جيدة تمامًا ولا تعاني من أية مضاعفات عندما دخلت في ولادة مبكرة وأعطيت دواءً «موسعًا للشعب الهوائية» لمدة طويلة كان من المفترض ألا يتم وصفه لها. سريعًا بدأت حالتها بالتدهور وتسارعت نبضات القلب، إلى أن دخلت في توقف قلبي cardiac arrest.

وفيما كان الفريق الطبي يبذل قصارى جهده للإنعاش القلبي الرئوي ولتدارك الأمر، تقول هي بعد أن عادت للحياة، أنها في تلك اللحظة شعرت أن نبضات قلبها قد توقفت، وأنها انتقلت إلى عالم آخر فيما كانت قد استعادت كامل وعيها وإدراكها، وأن هذه المدة قدرتها بحوالي 30-40 دقيقة، فيما كان الوقت الحقيقي الذي استمر فيه الإنعاش 3-4 دقائق فقط!

الملفت أنها خلال هذه الدقائق شاهدت شريط حياتها الذي احتوى أحداثًا في الماضي وكذلك أمورًا مستقبلية لم تحدث بعد، إذ رأت طفلتها هذه التي لم تكن قد وُلدت بعد وعمرها عامان، مع أطفالها الآخرين الذين كانت قد أنجبتهم، كما شاهدت الأحداث الرئيسة التي مرت بها.

لقد وصفت طبيعة المكان الذي رأته بأنه تام الشفافية وقد شعرت حقًا أن جسدها خفيف للغاية كما لم تشعر من قبل كما كانت غير قادرة على لمس ساقيها أو يديها أو حتى الشعور بماديتهم، كذلك سمعت صوتًا ينادي بها عند لحظة ما في شريط الحياة المعروض: هل أنت جاهزة للمغادرة؟ مع وعي وإدراك تام أنها قد غادرت الحياة فعلًا.

خاتمة

أيًا كانت الحقيقة وراء مثل هذه الظاهرة، ستبقى حقلًا خصبًا للبحث في حيثياتها، وأرى أنه لابد من اجتماع معرفة جيدة بعلوم مختلفة لإيجاد تفسير لها، لن تكون حصرًا على الفلسفة والطب وعلم الأعصاب الإكلينيكي والفيزياء والبيولوجيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد