حلول للأزمة الأقتصادية القادمة

في ضوء الأزمة التي تعاني منها الشعوب اليوم، سيتضح لنا قريبًا أن المشكلة الجوهرية فيما يحصل الآن هو ليس عدد القتلى الذين دفنوا تحت التراب، أو الذين لقوا حتفهم من جراء نقص مناعتهم، ولا حتى عدد المصابين بسبب فيروس كورونا، بل المشكلة تتعلق بالآثار الاقتصادية الموحشة التي تسببها في الأيام المقبلة. إن التنمية الاقتصادية في أي دولة هو المعيار الحديث الذي من خلاله نستطيع أن نرى تطلعات ومستقبل الدولة؛ لأن نجاح المنظومة الاقتصادية في أي بلد ليس إلا دليلًا على طموحها في الوصول إلى مدى أبعد ومستوى معيشي أرقى للمواطنين والمقيمين فيها.

انهيار أسواق الأسهم والبورصة في شتى الدول من الغرب إلى الشرق، ومن أدنى الأرض إلى أعلاها هو الذي بلا ريب سيمتد أثره في دول وحكومات ودينها العام وسنداتها النقدية إلى البنوك والأسواق التجارية والمستثمرين، لينتهي المطاف بعد كل ذلك بالمواطن. لتلك المشكلة حل، وهو حل علمي صالح لتخطي هذه المشكلة؛ لذلك على الحكومات أن تضع هدفًا تعمل على الوصول إليه بعد انتهاء انتشار هذا الوباء، ألا وهو الحفاظ على الركيزة الاقتصادية في دولها للحفاظ على شعوبها، التي أقسم كل دستور في هذه الأرض على حمايتها. لحل هذه المعضلة، سنحتاج إلى النظريات الاقتصادية التي اكتُشفت في الجامعات، وعلينا ابتكار طرق ذات كفاءة لتطبيق تلك النظريات على أرض الواقع.

إن الخوف والهلع الذي يصيب كل فرد منا الآن هو ليس أثر هذا الوباء على تطلعاتنا المستقبلية؛ لأن المواطنين اليوم يعملون جاهدين لتجنب الآثار المروعة والسلبية على أنفسهم، فحبنا للحياة، وهو شيء فطري، أدى بنا إلى العمل على توفير كل ما نتطلع إليه للبقاء في أمن. إن الاستثمار اليوم في حالة ركود لم يشهده من 12 عامًا، فكل طموحات المستثمرين انمحقت بسبب الأزمة التي يعاني منها العالم اليوم. هذا الهلع أدى إلى بيع المستثمرين أسهمهم في الشركات العامة، مما زاد البيع وانخفض الطلب بشكل حاد. في الاقتصاد، تعد هذه الحالة حالة خطر؛ لأنه بنزول أسعار أسهم الشركات يقل الإنتاج، وبالتالي تزداد نسبة البطالة، وهذا شيء لا نريده.

المعادلة بسيطة أمامنا، بانتقال الفيروس بين الأفراد، ينتقل الخوف بين المستثمرين مسببًا ركودًا في الاستثمار وبالتالي الإنتاج. وقلة تدفق المال بين الشركات سيحد من تطورها؛ لأن معظم المؤسسات تعتمد اعتمادًا كليًّا على البنوك في معاملتها، الحد من تطور تلك الشركات شيئًا يمكن لمسه في المستقبل، أما الذي من الممكن حسه بشكل مباشر الآن هو عدم قدرة تلك المؤسسات والشركات على مجاراة التزاماتها المالية. لقد سجلت الصين أدنى مستويات البطالة منذ عقود، حيث إنها وصلت إلى 6.2% في فبراير (شباط) 2020. كما أظهرت أحدث البيانات الاقتصادية أن مبيعات التجزئة في الصين تراجعت بنسبة 20.5% في يناير (كانون الثاني) وفبراير، وانخفضت استثمارات الأصول الثابتة بنسبة 24.5% وهذا شيء مخيف لا محالة. وفي ظل إغلاق المنشآت الإنتاجية والخدمية في الصين قد يؤدي ذلك إلى ارتفاع معدلات التضخم التي قدرت مؤخرًا بنحو 5.4% في يناير 2020. تعد الصين مصنع العالم، ولذلك لوجود 51 ألف مجموعة أجنبية لها موارد مباشرة وعلاقات مع الصين في مجال الاستثمار، لهذا عليها إعادة اكتساب ثقة الناس في المنتجات الصينية.

إن المطارات التي تعطلت، والبنوك التي توقفت، والطائرات التي منعت المركبات من الصعود إليها، والأماكن التجارية التي أغلقت هي ليست إلا إجراءات وقائية للحد من الخطر كما قلنا للحفاظ على الأنفس. لمواجهة هذه المشكلة، على الحكومات أن تتبع السياسات النقدية الفعالة والمالية التي ستحل هذه المشكلة للحفاظ على المستوى الرفاه للمواطن، إحدى الأولويات التي يجب على الحكومة أن تتطلع إليها حتى تُبقي الأمور على ما يرام.

إننا لا نريد أن نحل مشكلات بلادنا ومن ثم نلجأ إلى القروض لاحقًا، بل علينا أن نتبع نهجًا كاملًا يمكننا من تعدي الأزمة بأقل الخسائر. نظرًا إلى الوضع الحالي الاقتصادي في الأردن، فإن الحل الأمثل للتخلص من الأزمة التي نعاني منها هي من خلال ضخ الأموال إلى الاقتصاد الوطني، وتتم هذه العملية من خلال طرق كثيرة أفضلهما يحدث عن طريق المشروعات، وعن طريق خلق مؤسسات تزيد من الطلب الكلي في الدولة، هذا الطلب سينمو الاقتصاد بشكل رهيب لأن النفقات التي ستنفقها الحكومة على المشروعات في بلادها ستذهب في دورة اقتصادية ينتهي بها المطاف إلى تضاعف الذي أنفقته الحكومة على مواطنيها.

لتبسيط ذلك سنستخدم المنطق الذي استخدمه العالم البريطاني «جون كينز». سأقتبس نصًّا قرأته قد يساعد على التوضيح ألا وهو «أن تدخُّل الحكومة واجب المساعدة في التغلب على انخفاض الطلب الكلي، وذلك من أجل الحد من البطالة وزيادة النمو، ويقوم ذلك على عدة أساسيات، منها أن الركود يحدث إذا ما تجاوز الادخار الاستثمار، وأن الانخفاض في معدل الاستثمارات سوف يؤدي إلى انخفاض أسعار الفائدة، وبالتالي انخفاض معدلات الادخار، وينتج من ذلك زيادة الاستثمارات مرة أخرى، ليعود الاقتصاد الكلي إلى التوازن من جديد فترتفع معدلات التوظيف» (هند عزت).

إحدى الطرق أيضًا التي قد تساعد المنظومة الاقتصادية للتخلص من البطالة، والتي تعد المشكلة الأعظم في انهيار عنصر الاستهلاك، والذي يعد المحفز الاقتصادي الرئيسي في أي دولة. إن هذه الطريقة فعالة بشكل كبير في توفير فرص العمل لأكبر قدر ممكن من العمال، وهي العمل بشكل جزئي بدلًا من توظيف قوة عاملة تعمل بشكل متواصل خلال اليوم. إن هذه الخطة ستتيح عددًا هائلًا من الوظائف بدون الاضطرار إلى فتح العديد من المشروعات بشكل يفوق الطاقة الاستيعابية والإدارية للدولة. إن استخدام الطريقتين اللتين تحدثنا عنهما في آن واحد سيتيح لنا أن نتخطى عقبة الأزمة الاقتصادية التي سنواجهها قريبًا كما توقع علماء الاقتصاد في مختلف الجامعات. كلما زاد عدد العاملين يزداد الإنتاج والاستهلاك وهذا تمامًا ما تريده أي دولة.

خلق الوظائف بطريقة ابتكارية هو الذي علينا أن نفعله. تقليل الضرائب يعد محفزًا للاستهلاك، لأنه كلما قلت نسبة الضريبة على المبيعات ازداد استهلاك الناس لتلك البضائع. بزيادة الاستهلاك يزداد الإنتاج وبالتالي تقل البطالة؛ لأنه سيتطلب عددًا أكبر من العمال لإنتاج تلك البضائع. تستطيع الحكومات الآن اتخاذ إجراءات ووضع خطط لتنفيذها في المستقبل بدلًا من انتظار رحيل هذا الوباء من أراضيها. الحكومة السريعة الاستجابة هي التي تبدأ فورًا البحث عن حلول عند الوقوع في المشكلة. إن الحد من البطالة هو الهدف الأول الذي على كل حكومة أن ترنو إليه بعد انتشار هذا الوباء في كوكب الأرض؛ حتى تضمن حياة رغيدة لمواطنيها.

إن صناع القرار السياسي عليهم التفكر في تلك الأمور لأنها هي المسؤولة عن رقي المجتمع، وعن خلاصه من الأزمة التي هو عالق فيها، بدون مواجهة مشكلات وضغوطات مستقبلية تجبرها على اتخاذ قرارات تصب في مصالح دول أخرى. نعم، قد تحمل قرارات مثل الذين تكلمنا عنها بعض المخاطر التي تحتاج إلى الجرأة والعديد من الدراسات، ولكن، ولكن أليس لدينا طلاب شغوفون بتلك الموضوعات نستخدمهم في نهضة بلادنا؟ أليس لدينا أفراد يتطلعون إلى بناء مستقبلهم في بلادهم بدون التعرض ومواجهة المخاطر المالية، والتي قد تمنعهم من استمرار مسيرتهم التعليمية والحياتية؟ بالطبع هناك أمم في جامعاتنا مستعدون لبذل كل ما في وسعهم للنهوض ومساعدة بلادهم، علينا أن نحول هذا التحدي إلى فرصة نستطيع من خلالها بناء إرث يحفر باسم طلاب الوطن ومواطنيه الذين يتلهفون إلى النجاح داخل إطاره.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد