‏‫لطالما استوقفتني مقولة فكر «خارج الصندوق»، أو بصيغة الجمع لنفكر خارج الصندوق، ما هذا الصندوق؟

هو تعبير مجازي وليس له تعريف محدد، وهي دعوة للتفكير بعيدًا عن الأسباب والمسببات، التي نراها عن قرب.

ولكني اكتشفت ومؤخرًا أن هذا ليس تعبيرًا مجازيًا فقط، بل أيضًا عينيًا حقيقيًّا وملموسًا!

سوف تبادرني أخي القارئ بقولك كيف؟ إن أردت أن تعرف كيف؟ إذن اقبل دعوتي لك بالتفكير معي ما الشيء الذي يأخذ شكل الصندوق في حياتنا؟

نعم، نعم، نعم، أكيد وبلا أدنى شك بعد تفكير بسيط سريع منك سوف تقول التلفاز أو المذياع، وهما أقرب ما يكونان لصندوقين، هل رأيت ما فعلت عزيزي القارئ؟ لقد أوحيت لك ومن ثم أوعزت لك وحاولت استدراجك كما هم يفعلون، ووضعت لك السؤال وجاوبت عليه بدلاً منك.

ومن ثم أبدأ في التبرير لك لماذا؟ أجبت هذا الجواب، طبعًا من وجهة نظري، والتي أزعم أنها الإجابة الصحيحة الوحيدة والمثالية، بل أجزم أنها الحقيقة المطلقة التي أصبت بها، ليس كبدها، بل رأسها فأوقفت عقلها عن التفكير، أحاول وأحاول وبشتى الطرق، أن أقنعك بها كما هم يفعلون، ويجب عليك أن تصدقها وتتبعها ولا تخرج عن هذا السياق الذي سقناك إليه ووضعناك فيه أو الرأي الذي طرحناه عليك أو بالأحرى طرحناك فيه.

نعم هو هذا الصندوق «المريع»، عفوًا أقصد المربع، ولكن هنا وفي هذا الموضع لا أعتقد أنه يهم إن كان نقطة أم نقطتين، في الأسفل كانت أم في الأعلى لتصبح «المرتع» لن يغير شيئًا، فمن يساق إليه وفيه يجب أن يرتع مما يقدم إليه، بل إن النقطتين أقرب لوصفها من النقطة لهذه الصناديق المريعة المخيفة التي ما إن خرجت علينا وضعنا فيها، عقولنا، وأسماعنا، وأنظارنا، وتوقفنا عن التفكير؛ والتخيل لمجريات الأحداث وتحليلها وغدونا ننهل منهم ما يقدمون، وسلمنا أنفسنا وبكامل إرادتنا إلى أناس يتحكمون، وبنا يتلاعبون، يسيرونا كيفما يبتغون، ولمشاعرنا يستفزون، يشعلونها متى ما أرادوا ويخمدونها متى ما أفاضوا، يفرضون علينا آراءهم، ويشنفون أسماعنا بكذبهم؛ وتدليسهم، وبهتانهم، واتهامهم لمن يكرهون، ودفاعهم عن من يودون، يبرزون الخبر الذين يريدون، ومن حدث صغير يسلطون عليه الأضواء ويضخمون، حتى أصبح أكبر مما تتخيلون، ويصغرون، ويحتقرون، ويتجاهلون، ما لا يريدون، يشرقون بنا ثم يغربون، يسيرونا كما يشاؤون، في صحراء مترامية الأطراف يسيرون، ولا نعرف لأي أرض بنا يرتحلون، وعلى متن مركب في خضم محيط متلاطم الأمواج راكبون، ولا ندرك إلى أين نحن متجهون، يفرضون علينا المعرفة التي يبتغون ويحسرون عنا ما لا يبتغون، أصبحنا ننهل مما يقدمون، وأمسينا نتبنى ما يتبنون، ونحب ما يحبون، ونبغض ما يبغضون، نستمع لفنهم ونطرب لعزفهم، ولا نصغي لغيرهم، وكأن كل من يتابعهم من الأنام سوف ينطلي عليه هذا الكلام.

«نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكر

ومتعصبون إذا لم نرد أن نفكر

وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكر». أفلاطون

أموال طائلة تدفع بصدد تغييب الجمهور وتغير توجهاته والابتعاد به عن الحقيقة، وزرع فكرة أو عدة أفكار في سبيل السيطرة عليه، وترسيخ مفاهيم في الأغلب غير صحيحة وتبتعد كل البعد عن الواقع، لمصلحة سياسيين أو اقتصاديين متنفذين، وهي نوع من أنواع الدعاية «البروباجاندا» غير المباشرة في كثير من الأحيان، لتوصيل عدة استنتاجات لعقلية الجمهور أن هذا مثلاً أفضل، أجمل، أحسن، من باقي الشخصيات، أو من كل المنتجات الأخرى، المقلدة منها والمستنسخة، وغير جيدة المفعول والتي ليست على القدر الكافي، ولا تفي بالقدر المأمول، ولا تعطي النتائج المرجوة منها، هذا ما يزرعه الإعلام الكاذب في مخيلة الجمهور لتضليله، وليتحكم في إدراكه للمواضيع ويصورونها له كما يريدون، أن يراها استنساخًا لأفكار هم أنفسهم وفي الأغلب غير مقتنعين بها ولا مؤمنين بها، مرسخين في هذا الشأن المبدأ «المكيافيلي» آخذين على عاتقهم وواضعين نصب أعينهم مقولة «الغاية تبرر الوسيلة».

يقول: «باسكال يو نيفاس في كتابه المثقفون المزيفون، كيف يصنع الإعلام الكذب وقلبهم للحقائق بهدف توجيه الرأي العام نحو قناعات أيديولوجية أحادية البعد، وفي منظورهم أن الجمهور غير ناضج لما فيه الكفاية فيوجهونه بطرق لا تنطبق عليها معايير الأمانة».

في الختام: هناك معركة تخاض ضد الوعي، يجب علينا فيها عدم تعطيل العقل، ولا تصديق منافقي العصر، حتى لا نجعل لهم بعد هذا اليوم أي عذر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد