يعتقدُ البعضُ أن الروايةَ مهما عَظُمت فهِي لا تتجاوزُ النسقَ الجَمالي (الإستاطيقي) والانفعال الشِعري للتذوق الشخصي، وهذا الاعتقاد برغم صوابيته على بعض الروايات، إلا أنه خاطئٌ بالضرورة حينما يتعلق الحديث بالرواية الجزء المهم جدًا في الأدب.

لنعيد صياغة السؤال مرة أخرى هل العمل الروائي يعد ترفًا معرفيًا؟ بصراحة إن الحديثَ عن الرواية كعملٍ أدبيّ يجرُ معه الحديثَ عَن الأدبِ بحدِ ذَاتِه، والتشكيك في الرواية يُعدُ ضربًا في أحدِ أعمدة الأدب.

وهذا ادعاءٌ خطير، مِن الممكن أن يقولَ البعضُ: إني لا أهوى قراءة الرواية، لكنه بالتأكيدِ سيكونُ مُبالغًا لو انحاز برأييه ذاك إلى حيز الفكرة المجردة. هذا الادعاء يمكنُ الرد عليه مِن عدة جوانبَ مهمة يَحمل كل منها العامل المساهم في رؤية كهذه. أولها: أن عملية المقارنة المبدئية بين الرواية والأطروحات الأكاديمية الأخرى هي في غير محلها، فهما يشتركان بادئ ذي بدء بصفة الاختلاف التي تبحث عنه المقارنة. وهذه المقارنة تفضي إلى التعامل السطحي مع كل منهما وسحب العمل الروائي إلى الحيز الأكاديمي والعكس أيضًا لتبيان الزوايا المظلمة في كل منهما، وهذا لا يفلح صراحةً مع هذه القوالب المعرفية المعقدة. فأنت حينما تفعل ذلك تعطي الدرجة كاملةً للرواية أمام الأطروحات الأخرى في الساحة الأدبية، وتعطي الدرجة كاملةً للأطروحات الأخرى أمام الرواية في المساحة الأكاديمية والعلمية، كأنك تقيس سرعة الرياح بجهاز الترمومتر وهكذا.

ثانيها: قصور الرؤية الكلية إزاء بند المعرفة وأدوات تحصيلها عامل مهم في تشكيل هذه الرؤية عند البعض، فهناك تعامي واضح أو تغافل من صاحب الرؤية السابقة عن «أن الرواية تعد أداة للمعرفة لها أبعادها ودلالاتها وسياقها التي تختص به عن الأدوات الأخرى وأنها تشترك مع القوالب المعرفية الأخرى بكونها أداةَ تعلم وبناء ملكاتي بامتياز». فإعادة التفكير في كونها أداة لها قيمتها أمر يحل شيئًا من هذا التشابك.

ثالثها: موثوقية المصدر المعلوماتي من عدمه، في حين أن المصادر الأكاديمية عند هذا التيار عادةً لا تمحص بالدرجة الكافية التي يعاملون بها الروايات، وكذلك اتهامها بكونها أداة تزييف للتاريخ، لكونها ذات طابع مخيالي بالأساس. كان على هذا الاعتقاد أن يُنتهجَ من خلاله هذا التمييز بين الحيزين وانتصارًا للسرد المعلوماتي أمام السردية الروائية، متناسين أن الاختلاف الواضح بين هذين القالبين يخلق تعاملًا آخر تمامًا عن هذا الانحياز السطحي وهذا متمم للنقطة الأولى من حديثي.

رابعها: سؤال ( ما هي وظيفة الأدب؟).. الإجابة السطحية على هذا السؤال كان عاملًا مهمًا كذلك في ترسيخ تلك النظرة للرواية، لأن ببساطة عدم استيعاب البعد الوظيفي للأدب وإحدى أدواته (الرواية) ولّدَ عند البعض رؤية مضادة بهذا الشأن ولم يلمسوا بعد منفعة تلك الأداة حتى يدركوا قيمتها.

أستحضر اقتباسًا لعبد الوهاب المطاوع حول الأدب العظيم إذ قال: «إنه الأدب الذي تخرجُ من قراءته وأنت أكثر طيبة وأكثر نبلًا! وأنه الأدب الذي تحسُ بعد أن تنتهي منه بأنك قد صرتَ إنسانًا أفضل وبأن رغبتكَ في أن تكون أكثر عطفًا وإنسانية وتفهمًا في علاقاتك مع الآخرين قد ازدادت كثيرًا عن ذي قبل».
من هنا يأتي حكمنا على الأدب الجيد، وعلاقته بالقارئ الذي يكون في ضيافته. هي علاقة متبادلة ليست بين جماد وإنسان، بل هي بين إنسان وإنسان، وليس علاقة خدمة ومنفعة فحسب، بل تمازج وعمران.

خامسها: وهو يعم ليشمل الكتب كلها; ويكون في حال قراءة الرواية أو الكتاب بعمومه كعملٍ مجردٍ عن الفاعل الإنساني. كأن الكِتاب مخلوق بذاته، مستقل عن التمازج البشري، كأن له أثرًا عامًا وواضحًا على كل البشر باختلاف خلفياتهم ومبادئهم وملكات الاستقبال لديهم.

فمثلًا عند السخرية من بعض قراء الرواية في كونهم تافهين وسذج ومترفين فكريًا لتطال كل الرواية وكل القراء لها، ستكون لعنةً وتصيب لا محالة كل الكتب الأخرى التي يكون بعض قراءها سذج وسطحيين كذلك! وهذا ما لا يجوز فهذه ليست ساحة احتدام واقتتال.
إذًا لا يكون المعيار في الحكم على الكِتاب – مهما كان – من خلال ما يقدمه هو بقدر ما يكون من خلال ما تعتمد عليه شخصية القارئ ودرجة الالتحام وعامل الاختلاف الإنساني.
فلماذا يصر أنصار هذا المذهب على تخطئة الرواية من خلال سوء قراءها؟

فالقراءة ليست في ذاتها علاجًا لشيء ولا حلًا لمشكلة ولا تنويرًا تلقائيًا وتفتيح دماغ، وإنما هي مثل رحلة الصيد تخرج إليها وأنت لا تعلم بماذا ترجع. غير أن اختيارك لأدواتك التي تصطاد بها، وللمكان، ولطريقتك التي توقع بها الفريسة في الفخ تؤثر بلا شك على الذي ترجع به. ألم تر إلى هؤلاء الذين لم يعرفوا من القراءة إلا قراءة الكتب التي تؤيد أهواءهم؟ أو هؤلاء الذين يقرأون الكتب التي أوصى بها قوم آخرون يضعونهم موضع تنزيه شبه مقدس ولا يتعدونها؟ أو هؤلاء الذين لا يقرأون إلا الروايات المشحونة بالعواطف الزائفة؟ أو هؤلاء الذين يصدقون كل ما يقرأون؟ فهؤلاء الذين سيعودون من رحلة صيدهم بلا غنيمة وقد يعودون وقد خسروا شيئًا. فالقراءة عملٌ نقديٌ خلاقٌ إذ تدخل فكرة الكاتب إلى رأسك فتقلبها يمينًا ويسارًا فتشذبها وتعدل منها حتى إذا استقامت لك وضعتها موضعها الصحيح من بناء أفكارك تعضد منه ولا تطغى عليه ولا هو يطغى عليها وبينها وبينه ميزان العقل الإنساني والمنطق الكوني الذي نسعى أن نفهمه. – محمد أبو الغيط.

سادسها: ما الغاية من القراءة أصلًا! الرواية وفقًا لهذا المذهب تحاكم على كونها أداة للتعلم البطيء! وفقًا لماذا؟ وفقًا لامتلاكها معلومات أقل كميةً وأخرى نوعية من قوالب التعلم الأخرى، وبهذا يعتبرونها أنها أداة غير ضرورية وغير فعالة لافتقارها للزخم المعلوماتي الذي تمتلكها وسائل التعلم الأخرى وخاصةً ذات الطابع العلمي المباشر. وهذا ما يجعلهم يعتقدون أن بإمكانهم الاستغناء عنها تمامًا.

من قال إن تعلم المعلومات الطريق الوحيد للتعلم؟ ومن قال أيضًا أن الهدف من هذا كُله امتلاك أكبر كم من المعلومات؟ هل هُناك جدوى من اصطفاف المعلومات في دماغ الإنسان دون اعتبارات أخرى؟

كما يقول بيجوفيتش: «القراءة المبالغ فيها لا تجعلنا أذكياء، بعض الناس يبتلعون الكتب وهم يفعلون ذلك بدون فاصل للتفكير، وهو ضروري لكي يُهضم المقروء ويُبني ويُتبنى ويُفهم. عندما يتحدث إليكَ الناس يخرجون من أفواههم قطعًا من هيجل وهايدجر أو ماركس في حالة أولية غير مصاغة جيدًا، عند القراءة فإن المساهمة الشخصية ضرورية مثلما هو ضروري للنحلة العمل الداخلي والزمن، لكي تحول الرحيق الأزهار المتجمعة إلى عسل».

كلمة أخيرة غير كافية

إن الرواية والأدب عمومًا مهمان في حياة الإنسان – الذي أنتجه – كأهمية السماء للطير، فالطير يُقتل جوهره حينما تغيب عنه رحابة السماء، والأدب للإنسان كهذه السماء، هي رحابة الإنسان، هي «استنطاق المسكوت عنه»، وهي العصا السحرية التي تجعل فوارق البشر مفهومة لبعضهم البعض والتي تقرب المسافات وترسخ الاختلاف وتسمو بالفكر. هو بمثابة حواء لآدم تمامًا كما كآدم لحواء في حالة الكُتب الأخرى.

هذه السردية الساحرة لا تصير إلا بفعل الإنسان نفسه، فهو الذي يعطي قيمته للعمل والفكرة، حينما ينتجها أو يتفاعل معها لينتج أفكارًا أفضل.

وحينما يتحمل المرء مسئولية انتقاءاته في الأدب يَطردُ الأدب السيء والرواية السيئة والفكرة السيئة والكاتب السيء كذلك. أما حينما يتحول الانتقاء لفعلٍ جماعي – وسيصير – ويكون ذا خيارات رديئة! فالحزن كل الحزن على الإنسان وحده.

فموت الرواية يعني موت جزءٍ مهم وكبير من الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد