في قديم الزمان، وقبل تطور العلم، كان يظن الناس بأن الأرض مسطحة، وحق لهم ذلك، لأنهم يرونها أمامهم مبسوطة ممتدة مد البصر، ولو قال لهم أحد إنها كروية لاتهموه مباشرة بالجنون.

ثم افترض الفلاسفة اليونانيون كروية الأرض، وبقي الأمر مجرد فرضية حتى تقدم العلم، فاستطاع العلماء إثبات كرويتها بالدلائل والبراهين، ثم بالتجربة كما فعل ماجلان.

وفي القرن السابق استطاع العلماء رؤية الكرة الأرضية وتصويرها من الفضاء وإثبات كرويتها بالرؤية بعد إثباتها بالمنطق والحجج والبرهان، وذلك بعد تطور المركبات الفضائية والأقمار الصناعية..

في كثير من الأحيان، لا يمكننا فهم الموضوع وإدراك أبعاده إلا حين الخروج منه، والنظر إليه من الخارج، فطالما أننا جزء منه، فلن نرى غالباً إلا ما يواجهنا ويحدنا..

فإننا على سبيل المثال لا نستطيع إدراك سرعة السيارة أو الطائرة ونحن على متنها، ولا نستطيع إدراك دوران الأرض ونحن على سطحها، ولا نستطيع حتى إدراك حركة الأرض في هذا الكون الفسيح.

ونعلل ذلك فيزيائياً، أنه يجب علينا لإدراك السرعة أو الحركة أن يكون لنا أصل ثابت نعود إليه ونقارن، فإننا نقيس سرعة السيارة نسبة إلى سكوننا. وإن أردنا أن نتفلسف قليلاً ونتكلم بدقة،فسكوننا فعلاً ليس سكوناً، لو قيس نسبة إلى سكون مركز الأرض وهي تدور حول نفسها.. وسكون المركز ليس سكوناً، إذا قيس نسبة إلى سكون الشمس، وهكذا إلى ما شاء الله.

بدأت بهذه المقدمات، لأصل إلى نقطتي المحورية والجوهرية، أن الإنسان لو أراد فهم الصورة الحقيقية لأي موضوع، فإنه يجب عليه أن يخرج منه ويفكر من خارجه، ولو لم يكن خروجاً حسياً حقيقياً.

وصلت إلى هذه القناعة بعد تجربة لي كانت خلال النصف الثاني من سنة 2014، حيث قررت حينها أن أبتعد عن الفيسبوك، وأن أعتزل عن العالم الخارجي، بعيداً عن أصدقائي ومحيطي، وعن حساباتي الإلكترونية، ونشاطاتي السابقة.

استطعت حينها – وبقليل من الشجاعة – أن أراجع نفسي، وأقوّمها– حيث يقول دكتورنا إن كلمة تقويم أصح لغوياً من كلمة تقييم – وأقوّم أفعالي ونشاطاتي واستخدامي لمواقع التواصل وعلاقاتي مع الناس، واكتشفت أنني كنت مخطئاً في كثير من الأمور، سواء كانت قناعات أو آراء أو أساليب، حيث أصبحت عندي الشجاعة لانتقادها وتصحيحها بعد تخلصي من قيودها، أي بعد خروجي من المنظومة، مع أنني كنت أشد الناس دفاعاً عنها وقت اعتناقها!

لماذا يتمسك كثير من الناس بعاداتهم وتقاليدهم أو حتى خرافاتهم؟ كيف يعبد بعض الناس ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئاً؟ ولماذا يتبعون مذاهب سياسية وفلسفية ودينية واقتصادية ثبت فشلها بالحجة والبرهان والمنطق؟

في الواقع، هؤلاء جميعاً أسرى لأفكارهم، فهم لم يستطيعوا الخروج من منظومة تفكيرهم وقناعاتهم التي استحوذت عليهم، لأنهم لم يمتلكوا الشجاعة التي تمكنهم من رؤية أخطائهم.

وهذا ما يجعل المدير التقليدي يرفض أي انتقاد لشركته، ويرفض ويقاوم أي تغيير جديد، حيث نجد بعض المؤسسات لا تزال تعتمد حتى الآن على وسائل قديمة رغم وجود تقنيات جديدة كثيرة تفوق وسائله القديمة سرعة وأداءً وجودة.

ولكن كما يقول المثل لدينا (ما حدا بيقول عن زيته عكر!) فإنه يرفض الاعتراف بأنه على خطأ، ويرفض الاعتراف بأنه يؤدي بشركته ربما إلى الهلاك، أو بأفضل الأحوال يمنعها من التقدم والتطور وزيادة أرباحها.

وربما من أبرز الأمثلة التي نعرفها جميعاً، قصة شركة نوكيا، حيث إن نوكيا كانت هي الشركة الرائدة في صناعة الجوالات، وبقيت كذلك فترة طويلة من الزمن، إلى أن بدأ ظهور الهواتف الذكية، والتي لم تواكبها شركة نوكيا، ولم تحاول أن تنافس فيها، أو أن تستمر في ريادتها، بل بقيت على ما هي عليه، وكما يقال، فلا ثبات ولا سكون في عالمنا، إما أن تتقدم، وإما أن تتراجع، فتراجعت الشركة حتى سحقت وأوشكت أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.

وهكذا نحن في حياتنا كلها، وفي جميع تصرفاتنا، نرى دائماً أننا على صواب وكل من يخالفنا على خطأ، وكم كان شيخنا الإمام الشافعي رضوان الله عليه حكيماً حين قال: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب)، فربما هناك أمر لم يستطع رؤيته ورآه الآخر حين كان ينظر إليه من زاوية أخرى..

ولذلك فإن من الضروري أن يخصص كل إنسان منا فترات، يرجع فيها خطوة إلى الخلف، فينظر إلى الصورة الكاملة الشاملة نظرة خارجية ملمة بتفاصيلها، ليتأكد هل ما زال على الطريق الصحيح، أم أنه ابتعد عنه، أم أنه أخطأ الطريق؟

والأمر ليس بالهين ولا بالبسيط،فالموضوع يحتاج إلى شجاعة، ويحتاج قبل كل شيء إلى الصدق مع النفس، فمن لم يصدق مع نفسه، لا يستطيع الاعتراف بالخطأ والتقصير، ولو لم يعترف بذلك، بقي على ما هو عليه طيلة حياته ولم يستطع تغييره.

محاولة النظر للأمور نظرة شاملة صادقة خارجية، لا تختص به أمور ومواضيع دون أخرى، بل إننا نحتاج ذلك في أمور حياتنا كلها.. في علاقاتنا مع الآخرين، في عملنا وفي مؤسساتنا، بل حتى في أفكارنا وقناعاتنا، نحتاج أن نقوّم الأمور بميزان الحق، سواء كان الحق في صالحنا أم ضدنا، وأن نمتثل للحق ونتبعه كيفما كان.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد