قد يقع شيء من الوحي على شعبٍ ما فيقرر بدء مسيرة جديدة، مسيرة العدل، وقد تتفق كل الأطراف على هذا، رجال ونساء، شيوعي وليبرالي، محافظ وتقدمي، فقد ضاقوا ذرعًا من هذا الحال، فقر ظلم وإجرام، قتل للحياة السياسية ونهب لثروات الوطن والشعب، لكن من جهة معاكسة هناك رجل يقف في أعلى الهرم يؤمن فعلًا وبشكل مثير للشفقة أنه مقدس، قد ينهب ويقتل، لكنه لا يحاسَب وقراراته لا تناقش، قد تختلف ألقابهم (شاه، ملك…) لكن حقيقتهم واحدة: مفسدون في الأرض.

لا يمكن تجاهل مسؤوليتنا في هذا، فصغر أحلامنا وقِصَر نظرنا كان سببًا في قَصقَصَتِ أجنحتنا، ولعل عبد الرحمن الكواكبي لخص كل هذا في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» حيث قال: العوام هم قوةُ المستبد وقوته، بهم عليهم يصول ويطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصِب أموالهم فيحمدونه علي ابقائِه حياتهم، ويُهينُهم فيُثنون على رفعته، ويغري بعضهم علي بعض فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريما، وإذا قتل منهم ولم يُمَثل يعتبرونه رحيمًا، لكن لم يكن هذا السبب الوحيد، فإذا نظرنا في الأمر قليلًا، سنلاحظ أن الدين استُعمل كمخدر لِوعينا وتم توظيفه كأرض خصبة للحكام الفاسدين، ولم يكن هذا نتيجة صدفة، بل كان نتيجة استراتجية ذكية ترأسها رجال الدين وقسَّموها لمرحلتين، الأولى كانت مرحلة تحبيب الفقر لقلوب الناس، والمرحلة الثانية كانت تقديس ولي الأمر (السلطان، الملك…) وتحريم الخروج عليه ولو كان طاغية.

المرحلة الأولى: استغل رجال الدين عاطفتنا الدينية وأوهمونا أن الفقر هو طريق النجاة، وأن الزهد في أمور الدنيا خير لنا، وبالطبع لم يخف عليهم استعمال أحاديث نبوية لدعم خطاباتهم، عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء. وحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو 500 عام، حسنًا قد يتأخر فعلًا الغني في دخول الجنة، لكن من قال لك إنه عندما يدخلها لن يكون في مرتبة أعلى من مرتبة الفقير، المشكلة ليست في الأحاديث، بل في استعمالها كل يوم كأفيون لعامة الناس، تارة في خطبة، وتارة في برنامج دعوي، تارة في التلفاز، وتارة في مواقع التواصل الاجتماعي، فخلقوا بها ثقافة حب الفقر وتقديسه.

لا ننسى طبعًا أحاديث السيرة النبوية التي جعلت النبي يبدو كأفقر أهل مكة، عن جابر رضي الله عنه قال: لما حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخندق أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه حجرًا من الجوع، لكن الحقيقة أن النبي قد فعل هذا مرة واحدة، وكانت في غزوة الخندق، فلماذا يُروى هذا الحديث كأنه وضعٌ مر منه النبي كل يوم، ولا ننسى حديث أبي هُريرةَ: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله، قال: وأنا، والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، في كل مرة يروى هذا الحديث قد تقول في نفسك: قد عاش النبي فقيرًا فهل أنا خير منه؟ لكن المسألة أهون من ذلك، فهذا الحال شائع إلى يومنا هذا، فقد يأتيك الجوع ولا تجد من أكل البيت ما يروقك فتخرج باحثًا عنه، ليس بالضرورة أن تكون فقيرًا لتبحث عن الأكل خارج منزلك. النبي لم يكن فقيرًا، بل كان تاجرًا ماهرًا ومحاربًا؛ مما جعله يحصل على حصص مهمة من الغنائم، لقد كان ينفق النبي على 13 زوجة، وكان لديه خدمٌ وفرس يحارب عليه وناقة، كما أن ضيوفه كُثر لشدة كرمه، فكيف يمكن أن يجمع بين كل هذا وهو فقير.

نعم الفقر ليس محببًا في الإسلام، فالنبي كان يدعو لنفسه قائلًا: اللَّهُمَّ إِنِي أَسْأَلُكَ الهُدَى، وَالتُّقَى، وَالعفَافَ، والغنَى، وكان يستعيد من الفقر: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ. وقد دعا لأنس ابن مالك بالغنى «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ»، لو كان الغنى شرًا لما دعى به النبي لأعز رفقاء دربه، وقد قال الشيخ المتنور محمد الغزالي: إن أعدادًا كبيرة من المسلمين تزعم أن النبي فضل الفقر على الغنى ودعا إلى الفقر، وبهذه الفلسفة الجبانة نشروا الفقر وقبول الفقر وحب الفقر، وأنه أفضل عند الله من الغنى والمعيشة الكريمة، وبذالك فقدت الأمة فاعليتها.

المرحلة الثانية: هاته المرحلة كانت الأهم لأنها تستلزم مهارة أكبر لصقل تفاصيلها، وهي مرحلة تقديس ولي الأمر وتحريم الخروج عليه ولو كان ظالمًا، قدم لنا شيوخ السلاطين عقيدة جبانة لمواجهة الظلم، مفادها أن الأمة أجمعت على الصبر وتحمل الظلم مهما بلغت درجته وعلى تأثيم وتجريم كل من يدعوا للخروج على الحاكم، ووضَع كثيرٌ منهم شروطًا مقيدة للخروج عليه، أشهرها أن يظهر الحاكم كفرًا بَوَاحًا أو أن تكون لدينا معرفة سابقة أن الحاكم سيرضى بالنزول عن عرشه دون تحريك ساكن، لكن هذا في رأيي ضرب من الخيال؛ فلا حاكم سيُظهِر كُفره، ولا ظالم سَيتَنازل عن سلطته، وإذا أخذنا بهاته الشروط فلا يجوز الخروج عن ظالمين ومجرمين أمثال حسني مبارك وزين العابدين، أو أمثال خوارزم شاه الذي كان يُذَبح في الناس صباحًا وعشيًا، أو يزيد ابن المعاوية الذي تسبب في قتل الحسين. المضحك المبكي أن رجال الدين هؤلاء يعتبرون أن كل من يخرج عن الجماعة يدخل في قائمة الخوارج والمنحرفين عن النظام؛ لذا يجب قتلهم، لكن إذا استولوا على الحكم ولو بالقوة (اغتيال، انقلاب عسكري…) فقد صاروا بذلك ولاة الأمر وَوجبت طاعتهم.

لنبدأ بالآية الشهيرة التي يستشهدون بها، قال الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا، لكنهم لن يذكروا لك صفات ولي الأمر (العدل، أن يكون مُنَصبًا بالتشاور وليس بالتوريث…) أو متى تسقط شرعيته، وسينسوك في آية سورة الشعراء: وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ،الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ. وفي آية سورة هود: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ، لاحظ أن الآية هنا ذكرت مصطلح (لا تركنوا)، وهو فعل يكون بالقلب فقط، ورغم هذا توعد القرآن بعقاب شديد، فكيف بمن يميل كل الميل ويطيع الظالم، بل يسانده، أما الأحاديث فحدث ولا حرج، تجد أحاديث قد تكون صحيحة، لكن تتم إعادة تشكيلها ووضعها في سياق يخدم مصالحهم، لنبدأ بحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضَربَ ظَهْرُكَ، وَأُخَذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ، لقد قال ابن حزم عن هذا الحديث إن النبي لا يأمُر بمنكر، وإن صح هذا عنه فإن سياقه إن أخذ الإمام مالك، أو جلد ظهرك، لكن بالحق، أما إذا فعل هذا بغير حق، فصح لك الاعتراض، بالإضافة إلى أن النبي وجَّه خطابه بهاته الطريقة؛ لأن العرب حينها لا يعرفون معنى للطاعة ولو كانت عادلة، لم يكن مفهوم العقاب أو إرجاع الحقوق لأهلها ساريًا في عُرفِهم، وكما عَبَّرَ عن ذالك الشاعر ابن أبي سلمى قائلًا: ومـن لاَ يَظلِـم النَاس يُظلَمِ، لهذا كان خطاب وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع تكليفًا صريحًا بقبول الأحكام الواقعة عليك (كالأحكام القضائية)، وتتضح الصورة أكثر عندما نجد حديث النبي: منْ قُتِل دُونَ مالِهِ فهُو شَهيدٌ. وهو يخالف ما دعا إليه الشيوخ من استسلام للظلم.

لننتقل الآن لأحد الأحاديث الأكثر استعمالًا في تأصيل عقيدة العبودية فينا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، لكي نخوض في هذا الحديث علينا فهم طبيعة المجتمع العربي آنذاك، مجتمع قَبلي جاهلي وعنصري لا يرضى بتحكيم فردٍ من عامة الناس ولا ينقاد إلا بأسياده، فجاء النبي هنا ليوازن الكفة ويُقِر مبدأ المساوة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة. وقد اختار الحبشي لأن أهل الحبشة معروفون ببساطتهم وببشرتهم السمراء (بلال ابن رباح)، وبذلك أصَّل النبي بهذا الحديث مبدأ الحرية والعدل وتكافؤ الفرص لا مبدأ العبودية الذي نحن عليه اليوم.

خلال بحثي أكتشفت أحاديث أخرى تخالف ما يدعون إليه تمامًا وقصصًا في تاريخنا بداية من عهد الصحابة، تبين أن الرضوخ للظلم لم يكن من صفاتنا قط، وأن الكلمة الأولى والأخيرة لعامة الناس والشعب، قال رسول الله «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ، فَنَهَاهُ وَأَمَرَهُ، فَقَتَلَهُ»، لو كان نهي السلطان ومحاسبته فِعلًا شنيعًا لما اعتُبِر فاعله شهيدًا إذا قُتل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: أَفضَلُ الجِهاد كَلِمَة حَق عندَ سُلطانٍ جائِر.

لننتقل الآن لأحاديث العدل والحقوق المالية، قال رَسُولُ اللَّهِ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وفي حديث آخر أكثر وضوحًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ هُوَ فِي النَّارِ، نحن اليوم تغتصب أموالنا، حريتنا، وحتى آراؤنا، لكن لا يجوز لنا مجرد التفكير في الاعتراض، وإذا فعلت فإنك زنديق منافق وانفصالي.

لقد كانت فترة الخلفاء الراشدين مليئة بالمعارضة، وفي مرات عدة قاموا بتلبية رغبات الناس بحذافيرها، لعل قصة أهل العراق مع الخليفة عمر بن الخطاب أجملها، فقد جاءوا يشتكون إليه من سعد بن أبي وقاص (خال النبي وأحد المبشرين بالجنة) الذي كان أميرًا للعراق حينها، وطالبوا بعزله، فعزله عمر، لكن العجيب والذي أبهرني في القصة أنه عندما حضر عمر الموت قال: إني لم أعزله عن عجز أو خيانة. أي أن سعد بن أبي وقاص لم يكن في نظر عمر شخصًا غير صالح للحكم، لكن رغم هذا عزله، إذًا التفسير الوحيد لعزله هو أن عمر بن الخطاب لبى رغبة ومطالب شعبه؛ لأنه يعتبر نفسه خادمهم، وليس سيدهم.

سأختم حديثي بما قاله الإمام الغزالي: إنما فسدت الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، فلولا القضاة السوء والعلماء السوء لقلّ فساد الملوك خوفًا من إنكارهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد