ليتك تعلم يا صاحب الوطن أنّني قبل أن يرغمني القدر على الاغتراب في وطنك كنت أحلم، كان عندي حلم، كان لديّ الكثير والكثير، كنتُ من المفترض أن أحطّ بوطنك زائرًا لعمل أو سائحًا في رحلة.

ليتك تعلم يا من أخذتُ لك رزقك وعملك وقوتك ونقودك وبيتك وزقاقك – كما تقول – بأنّ لديّ رزق وعمل وقوت ونقود وزقاق، كان لديّ تراب كنتُ ألعب به وأخلطه بالماء أحيانًا مع رفاق الحارة ونصنع منه بيتًا صغيرًا، ما أتعسنا كنّا نلعب بالتراب ويا ليتنا كنّا نعرف قيمة ذاك التراب..

ليتك تعلم يا من أصبحنا عبئًا عليك وقد احتللنا أرضك وصرنا منظرًا كريهًا يكدّر عينيك ويزعج تفكيرك، ليتك تعلم أنّ لديّ قلبًا أكبر من قلبك وعينًا تبصر أكثر من عينيك، حيث ساهمت ظروفنا بأن أنظر إلى بعيد وأرى في الظلام وأستشعر عن بُعد، جعلتني أتعلّم دروسًا لا يتعلّمها المرء بسهولة بل تحتاج إلى دورات من الصعاب والقسوة.

أتاح القدر لنا أن نتعرّف على أكذوبة الإنسانية التي يتغنّى بها هذا العالم كذبًا وزورًا، جعلنا نؤمن وجعلني أؤمن أنا شخصيًّا أنّ الإنسانية ليست موجودة، إلا عند البسطاء والفقراء، فتراهم يُحسنون إليك بالقليل الغالي الذي يملكونه، تكفي ابتسامتهم في وجهك، تلك الابستامة أغلى ما يملكونه.

أضحى السوريّ مفردة وورقة وسلعة ومادّة خبر ومحلّ نقاش وحوار وضحكة ونكتة وأغنية للبكاء وعبرة للشفقة ودرسًا للشعوب كي تتعلّم الخنوع وتهضمه، وإلا فأمامهم هذا المصير.. أضحى السوريّ مجرّد مفردة نسمعها في الأخبار وفي نقاشات الناس وضحكة على فم الساخرين ودمعة على أعين أصحاب الشفقة.

كنتُ أسمع عن فلسطين وعن الفلسطينيّ والاحتلال واللجوء والتغريبة والقتل والهدم والتشريد والمستوطنات، عندما كنت طفلًا لم يكن بمقدور عقلي تخيّل تلك المفردات على حقيقتها، وعندما أصبحتُ شابًّا صرتُ أقول: يا لبؤس حظّهم! ما أقسى حياتهم! هل يمكن أن نمرّ بظروف كظروفهم؟ كذلك أيضًا عندما قامت أمريكا باحتلال العراق وتدميرها وتشريد أهلها وقتل أطفالها وتعذيب رجالها وشبابها ونسائها بكلّ قسوة وإهانة وتنكيل؛ كنتُ أقول وأنا ابن الـ 11 عامًا: تبًّا لكم يا حكامنا.

كنتُ أرى إخوتي العراقيّين في ذلك الوقت بمدينتي التي نزح الآن 80% من سكانها إلى القرى المجاورة أو خارج سوريا، كنتُ أراهم وهم يسألون عن منزل رخيص للإيجار أو فرصة عمل بأجور زهيدة.. يا لتعاسة الحياة ويا لطبيعة هذا الزمن الدوّار.

فلسطين، ثمّ العراق، فـ ليبيا، فـ اليمن، فـ سوريا، ومصر والآن الخليج، وليست تركيا ببعيدة عمّا تشهدها جاراتها القريبة والبعيدة من أزمات، ولكن إسرائيل؛ ماذا عنها؟ لماذا تبدو هادئة رصينة وسط شرق أوسط عاصف لا يُيقي ولا يذر، أمّ أنّها كذلك الحرم الذي يُتخطّف الناس من حوله أمّا هو ففي وفرة أمان. لست من أصحاب نظرية المؤامرة ولست ممّن يركزن على الحط من شخصية العربي ومقدرته وثقافته بشكل يدعو للإحباط أكثر منه إلى إلى النهوض، ولكن هل يُعقل أن تكون تلك الأحداث مجرّد صدفة؟ أم هناك إرادة دولية على أن تكون هذه المنطقة منطقة صراع وشؤم وبوار؟

صرتُ أترحم على القذافيّ الديكتاتوري المعجب بنفسه، لقد قال كلمة صادقة في وقت ما، عندما قال في جلسة برلمانية مسجلة في اليوتيوب: نحن العرب حيوانات.. علينا ان لا نتوجه إلى منظمة الأمم المتحدة من أجل حقوق الفلسطينيّين والعراقيّين، بل علينا أن نتوجّه إلى منظّمات الرفق بالحيوان، لأنّهم ينظرون إلينا كحيوانات!

أيها السوريّ لقد عانيت كما عانى من قبلك أخوك الفلسطينيّ والعراقيّ وسيعاني إخوتك الباقون الذين يصرّون على ركوب أمواج الحماقة والركوع أمام العدو الذي يريدهم أذلاء صغرة، أنت عانيتَ وفهمت الدرس، فاعمل وادع لغيرك أن يعمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد