للمرة الثانية في تاريخ الهند، يتولى رئاسة البلاد أحد أفراد طائفة المنبوذين، تلك الطائفة التي دفعت أثمانًا باهظة عبر التاريخ، وتم التنكيل بأبنائها وحرمانهم من كل الامتيازات.

عبر التاريخ أسلم من تلك الطائفة عشرات الملايين، خصوصًا في زمن الدولة المغولية في الهند التي عملت على إنصافهم.

صحيح أن منصب الرئيس في الهند شرفي، ولكن أن يصل أحد أعضاء طائفة المنبوذين (الداليت) إليه مجددًا يعني أن المياه الراكدة في الهند بدأت في المسير، إلا أنه من الأكيد كذلك أن النظام الطبقي في الهند المرتبط بالعقيدة الهندوسية سيظل راسخًا لدى الغالبية العظمى من الهندوس.

ويتولى رئيس الوزراء في الهند السلطات التنفيذية، لكن الرئيس يستطيع إعادة مشاريع القوانين البرلمانية لإعادة دراستها، ويؤدي دورًا مهمًا في عملية تشكيل الحكومة.

مع العلم أن أحوال المنبوذين في الهند لا تختلف كثيرًا عن أحوال المسلمين هناك، والتقارير الحقوقية خير دليل.

رئيس الهند الجديد

تم تنصيب رام ناث كوفيند، ليصبح ثاني زعيم في البلاد يتولى هذا المنصب من طبقة الداليت التي تعتبر أدنى طبقات النظام الاجتماعي في البلاد.

ووصل كوفيند (71 عامًا) الذي رشحه رئيس حزب الوزراء ناريندرا مودي، عن حزب الشعب (بهاراتيا جاناتا)، (وصل) إلى المنصب الرمزي بأكثر من 65 في المئة من أصوات حوالى 4900 عضو في البرلمان ومجالس الأقاليم في البلاد.

وذكر كوفيند بعد أدائه اليمين الدستورية في البرلمان «لقد نشأت في منزل من الطين في قرية صغيرة، وكانت رحلتي طويلة، ولكنني لم أكن الوحيد الذي أقوم بها، فهي تعبر عن بلدنا ومجتمعنا».

وأورد «رغم كل مشاكلها، تتبع بلادنا نهجًا أساسيًا نص عليه دستورنا لضمان العدالة والحرية والمساواة والأخوة، وسنواصل اتباع هذه النهج».

وقال كوفيند إنه سيستخدم منصبه لتحسين وضع أبناء طبقة الداليت المهمشين والمقدر عددهم بنحو 200 مليون شخص، ويعرفون باسم «المنبوذين»، ويعتبرون من أفقر طبقات المجتمع الهندي.

ويعود كوفيند ثاني مسؤول رفيع من أبناء طبقة الداليت بعد «ك.ر. نارايان» الذي تولى منصب الرئيس لخمس سنوات عام 1997.

طائفة المنبوذين

«الداليت» هي طبقة مصنفة طبقًا للديانة الهندوسية وثقافتها، وهي طبقة ممنوعة من ارتياد المعابد الهندوسية، وتاريخيًا نتيجة للاعتقادات الهندوسية، فإن الداليت كانوا يقبعون دائمًا في المهن التي يرى المجتمع أنها مهن دونية.

بحسب العقيدة الهندوسية، فإن الهندوس منقسمون إلى 4 أقسام:

القسم الأول: طبقة «البراهمة» الذين خلقوا من رأس الإله، وهم الذين يشتغلون رجال دين وكهنة ومربين، ويسنون القوانين ويشرفون على التعليم.

القسم الثاني: طبقة «كاشاتريا» الذي خلقوا من «يد الإله»، وهم يمثلون قادة الجيش والفرسان والأشراف.

القسم الثالث: طبقة «الفايشا» الذين خلقوا من «فخذ الإله»، وعلى أبناء تلك الطائفة أن يعملوا في التجارة والزراعة.

القسم الرابع والأخير: طبقة «الداليت» أو «المنبوذون» الذين خلقوا من «قدم الإله»، وعليهم العمل في المهن التي يراها المجتمع حقيرة، مثل الكنس وتنظيف الملابس، وتنظيف الجلود، ومن معتقدات الهندوسية أن «الأرواح الشريرة» التي فعلت الشر في حياتها الأولى، قد عوقبت بالتناسخ في أجساد تلك الطبقة الدنيا، وبالتالي فإنه من العدل أن يتم ازدراء واحتقار تلك الطبقة وفق المعتقد الهندوسي!

وقد قسم البريطانيون الهنود في الفترة بين عامي 1860 و1920 حسب طبقاتهم، مانحين الوظائف الإدارية والمناصب الرفيعة فقط لأولئك الذين ينتمون إلى الطبقات العليا. غير أن القلاقل الاجتماعية التي وقعت في عشرينيات القرن العشرين أجبرت البريطانيين على تغيير هذه السياسة واتباع سياسة التمييز الإيجابي بتخصيص نسبة معينة من وظائف الحكومة لأبناء الطبقات الدنيا.

ويمثل الداليت حوالي 16% من تعداد السكان بالهند، وعلى الرغم من أن الدستور الهندي قد ألغى وجرم صراحةً، في دستور عام 1950، فكرة الطبقة المنبوذة، إلا أن الأمم المتحدة أعلنت صراحةً في عام 2007 أن التمييز الطبقي ضد تلك الطائفة ما زال موجودًا في الهند وبقوة، وتؤكد التقارير والدراسات أن النظام الطبقي التقليدي في الهند ما زال معمولًا به حتى اليوم، بالأخص كلما ابتعدنا عن المدن والحضر.

محاولات الإنقاذ

وبحسب الباحث في الشأن الآسيوي «سمير حسين زعقوق»، فقد ظهرت جهود ومحاولات عظيمة تهدف إلى إنصاف طبقة المنبوذين بوجه خاص وإصلاح أحوالهم وإنقاذهم من حالة البؤس والفقر من جانب والتخفيف من حدة الطبقات الهندوكية أو إزالتها من جانب آخر.

  1. مشروع البعثة الأزهرية (جمعيات التبليغ): والتي قامت بتقديم العقيدة الإسلامية لهؤلاء المنبوذين من خلال الخُطب ودعوتهم إلى الدخول في الدين الإسلامي، دين المساواة الذي لا يفرق بين جنس وجنس، ولا بين لون ولون، وتخليصهم من أركان الديانة الهندوكية التي لم تقم إلا على مناقضات تاريخـية التي لا تطابق منطق العلم والأبحاث العقلية، وبهذه الدوافع الدينية والإنسانية استطاعت أن تحقق نجاحًا لا بأس به، إلا أن جهودها كانت محدودة بسبب ما لقيته من صعوبات في سبيل الدعوة إلى الإسلام.
    يقول «كاجالا» –34 عامًا-: إنه حرص على الاحتفاظ باسمه بعد أن أسلم؛ ليقول للسلطات: إنه هندوسي الأصل، ولكنه وجد العدل والرحمة في الإسلام، ولذلك اعتنقه، كما فعل العديد من أبناء قريته «بهاجانا» في حي «هيستار» بالقرب من العاصمة «نيودلهي».
  2. مشروع غاندي (جماعة خدمة المنبوذين): يرى الإنسان مشروع غاندي مشروعًا إنسانيًا يرمي إلى إنصاف المنبوذين، وإقناع الهنادكة بقبولهم في العائلة الهندوكية، وتكوين وحدة قومية من الفريقين. ولكن محاولته لم يقدر لها نجاح يذكـر بسبب دوافعه الدينية والسياسية التي أدركها المنبوذون وذلك في محاولته لإشغالهم عن ترك الديانة الهندوكية وعن تكوين قوة سياسية في البلاد .
  3. مشروع جواهر لال نهرو الاشتراكي: الذي يدعو إلى توزيع ممتلكات المسلمين بينهم وبين المنبوذين الوثنيين بالتساوي، ولكن المسلمين اشترطوا أن يساووهم الهنادكة في هذا العمل لذلك لم ينجح هذا المشروع أيضًا لأن دوافعهم السياسية كانت تختبئ وراء ستار الاشتراكية وتتجه إلى محاولة الهنادكة إلى ضم عدد كبير من المسلمين والمنبوذين وهما العنصران الفقيران في الهند لكي يصبحا تحت قيادتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد