كسوري أشعر بأنني إنسان من الدرجة العاشرة، هذا إن كان يصح تسميتي إنسانًا. مجرد التفكير بالأضرار التي أصابت أو قد تصيب السوريين جراء ترحيلهم خارج إسطنبول مؤلمة.

كل سوري يحمل بطاقة حماية مؤقتة كملك، مسجلة خارج إسطنبول، سيتم ترحيله إلى الولاية المسجل بها بعد سنين من استقراره في هذه المدينة، حسب إملاءات وزير الداخلية التركي (سليمان صويلو) على مجموعة من الصحافيين السوريين والعرب الذين التقى بهم في 13 يوليو (تموز) 2019.

عدا أقوال متضاربة بشأن من لا يحمل تلك البطاقة وترحيله إلى بعض مناطق الشمال السوري.

كسوريين هنالك من هُجر مرة واثنتين وثلاثة، والرابعة ستكون عن إسطنبول، كسوري قد تقضي حياتك في قلق دائم وعلى ظهرك حقيبة سفر إجبارية!

أما الحديث عن التسويات القانونية فهو سهل بالنسبة للبعض البعيدين عن الشريحة الأكبر من الطبقة المسحوقة والشباب الضعفاء الذي يعمل ليطعم من تبقى من عائلته وعلق في سوريا، هو حديث سهل للبعيدين عن آلام الناس وتفاصيلهم.

الإنسانية تستجدي عطفًا

لست في وضع أختار فيه التفكير ببراجماتية ولا محاولة العزاء على الطريقة الداروينية، ولا النظر في القانون وآثار القرارات التركية على إسطنبول والسوريين والمستقبل والتأقلم المرتقب مع الوضع الجديد.

هنالك حالة إنسانية تستدعي التعامل معها بعقلانية وروية وإنسانية تصحب القانون.

تخيل نفسك شابًا ذاهبًا إلى العمل في الساعة الثامنة صباحًا، ثم فجأة توضع في سيارة الشرطة الزرقاء لتصل بعد أيام إلى ولاية ثانية وحياة جديدة.

نقطة سوداء كبيرة تنهي بمرارة كل ما سبق، لتبدأ بعدها صفحةً جديدة أو كتابًا مختلفًا كليًا، ككل المرات التي بدأت بها من الصفر أثناء حياتك البائسة كسوري مسحوق.

ما الذي يعنيه أن تصبح فجأة في أرض هربت منها، أو طردتك، أو تركتها لتلاحق أحلامك؟ ما الذي يعنيه أن تترك بلا اختيار حياة كاملة وراءك بلا فرصة لأي تصحيح بسيط قد ترغب به.

هل أنت قادر على تخيل التداعيات؟ ولست أتخيل لأني رأيت غيري يُبتلى عيانًا.

موقف الاعتقال بذاته يعود ببعض المشاهد الشبيهة في سوريا إلى الذاكرة، ولكن الأكثر ألمًا، وكأنما كتب علينا التذكر في كوابيس المنام واليقظة دائمًا.

هذا النواح ليس على شخصي؛ لأني غير متأثر ربما، ولكنه على سوريتي الذبيحة في مسالخ اللجوء، بكل ما تحمله من مشاكل ذاتية وخارجية.

منعطف

تتزامن هذه الإجراءات مع الذكرى الثالثة لإحباط انقلاب 15 يوليو 2016، هذه الذكرى المجيدة لوقوف الشعب التركي أمام من حاول مصادرة حرية اختياره وتقرير مصيره.

ذكرى مهيبة مع الأتراك الذين جمعتنا بهم أخوة الدين والتاريخ الطويل والأرض والمعاناة والكفاح ضد الظلم، وجمعنا معهم أيضًا الهدف في حياة حرة كريمة ديمقراطية يقرر بها الشعب مصيره لا العسكر والمستبدين.

غير أني أشعر بانحلال نوعًا ما لهذا الارتباط العاطفي الذي يجمعني مع الترك. بسبب ما يعانيه وسيعانيه المرحلون في هذه الأيام، لأول مرة أسمع تكبيرات المآذن عند منتصف الليل إحياء للذكرى ولا أشعر بشيء! تلك المهابة والرهبة والقشعريرة التي كانت تعتريني تضمحل وتختفي.

يمتزج ذلك بحوار عقلي أو فلسفي داخلي، إذ ما قيمة الدفاع عن حق الاختيار ضد الاستبداد إذا تعاملت بعنصرية مع جماعة ما، أو وقعت فريسة شائعات أو أخطاء سهلة في التفكير؟

قدسية الدفاع هنا عن حق الاختيار تتفكك، لأنه دفاع غريزي غير واعٍ حينها، أو هو دفاع قاصر لم يصل إلى نهاياته.

نعم، الأمر أعقد من ذلك ولكنه يتلخص بما أسلفت على المستوى الجمعي.

هل الأتراك عنصريون؟ قطعًا لا، ولكن وقع البعض في المصيدة. مصيدة الأخطاء الفردية لبعض السوريين والأخطاء العادية التي تحدث نتيجة التحام ثقافات وعادات متغايرة.

ومصيدة الاستغلال الانتخابي من طرف ما ضد آخر، ومصيدة التحريض والتضليل الإعلامي وبعض الإحصاءات والإشاعات الكاذبة عن السوريين، إشاعات تجعل التركي يشعر ربما بأنه أقل شأنا من السوري.

ويا ليته تأكد، ولكن كالعادة الخبر السيء ينتشر والجيد يختبئ في الصدور وفي حفر كتيمة في أعماق الأرض!

وكي لا أكون جاحدًا، لا بد أن أشير إلى كرم ومحبة الشعب التركي بعمومه، والحكومة أيضًا متمثلة بحزب العدالة والتنمية، فشخصيًا لم أتعرض لموقف عنصري مباشر واحد منذ أكثر من ثلاث سنين مدة وجودي في تركيا، ولكن الموقف الآن ليس موقف مدح وتعداد للمكارم، بل هو موقف حزن وإشارة إلى أخطاء تراكمت وكارثة حلت بالكثيرين.

جلد ذات

لا بد أيضًا من حصة لجلد الذات، الذات السورية في تركيا المقصرة أيما تقصير تجاه نفسها.

ربما نحن مبدعون على المستوى الفردي كأي لاجئ ناجح يتحدى الحياة في مجتمعات مستقرة، أو على مستوى الجماعات الصغيرة في الجمعيات والمبادرات، ولكننا غير منظمين في خطاب واعٍ رشيد كجالية كبرى في المجتمع التركي.

محاولات تصحيح الصورة فردية، أو هي على مستوى مجموعة من المسؤولين الأتراك لا تتغير، لا يوجد جسم فاعل يمثلنا على قدر المسؤولية، لا توجد جهة ذات ثقل أثبتت نفسها أمام السوريين قبل الأتراك كي تخاطب الحكومة التركية.

ستجد بالتأكيد من يدافع عن بعض المحاولات الخجولة سواء من شارك أو ارتبط بها، ولكن صديقي وأخي السوري صدقا هذا لا يكفي والنتائج المخزية أمام عينيك.

فهل نستحق كل تلك السياط المتلاحقة لتقصيرنا كمجموع؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد