أسطورة الصندوق والتفكير

التفكير والصندوق قصة لا يمكن العبور عليها دون التدقيق فيها، لطالما اعتقد البشر أن هناك صندوقا يحوي الأفكار التقليدية، والتي كانت في زمن ما خارج هذا الصندوق، سُنة الأشياء التي تُوضع في الاشياء أنها ولدت خارجها، ولكن يظل البشر يبحثون خارج الصندوق – مثل القرع الذي يمد خارج الصندوق – وحقيقةً أعتقد أني إنسان تقليدي لا أفكر خارج الصندوق في أغلب الوقت.

اتهمني العديد بأنني أفكر خارج الصندوق، أعتقد دائماً أن الإنسان الذي يقوم بإنشاء كل شيء من الصفر هو إنسان أبله، وظللت أعاند آلاف المرات أنني لا أجلب شيئاً – وعذراً على القول المحلي – «من عند أمي»، لا يمكن لإنسان أن يأتي بجديد في هذا الكون، دائماً هناك خيط من داخل الصندوق، حتى وإن كان نقص الصندوق نفسه، أي أن لولا الفراغ الملائم لما هو بالخارج، ما كان الذي بالخارج مالكاً لمصيره في الداخل، أي أن المكان الذي يستوجب ان توضع فيه الفكرة داخل الصندوق كما قلت «مش من عند أمي».

يساندني دائماً قصص الذين أتوا بأكبر صناديق الكون، ذوي الخيال من البشر، الذين صنعوا صناديق تتسع لما لا تتسع له صناديق الآخرين، جعلوا ما بالخارج بالداخل دون أن يدري، وربما الكون بجل جلاله صندوقهم المتسع قدر ما اتسع، ولكي أكون واضحاً، أنا كافر للغاية، وشديد الكفر، بمسألة الصندوق تلك، لا أرى للبشر حدودا لكي يلتزموا بها، بل كل يوم يتسع للإنسان حداً من الحدود باتساع الكون منذ الانفجار العظيم.

ماركيز وماكوندو

بالرغم من أن الذي كان في البداية نجار صندوق الواقعية الساحرة هو خوان، ولكن لولا مائة عام من العزلة ما كانت انطلاقة الواقعية العجائبية في الأدب العالمي، وما قد يميز بناء مائة عام عزلة البيئة التي أقام فيها ماركيز مدينته الخيالية الواقعية ماكوندو بيد المجنون خوسيه أركاديو بوينديا،  فيالرواية يقول ماركيز إن اثناء مبارزة الديكة يتشاجر خوسيه أركاديو بوينديا مع برودينثيو أغيلار ويقتله بالرمح، ومن ثم يرحل من ريوهاتشا إلى مستنقعات كولومبية ليصنع فيها قريته الخاصة التي أسماها «ماكوندو».

في الواقع من أنشأ ماكوندو كان أحد أحداث الرواية ذاتها، وفقاً لاعتراف ماركيز في كتابه «أن تعيش لتحكي» في الفصول الثلاثة الأولى، أنه كان يحاول كتابة رحلة سفره مع أمه إلى بيت الجد الذي حاولا معاً أن يبيعاه ولكن الرحلة فشلت بسبب أنهم لم يجدوا الكثير من الناس في القرية التي يقع فيها الجد، الذي سيصبح فيما بعد مؤثراً في الرواية، يلعب دور الكولونيل في العديد من القصص لماركيز، ويلعب دور هام في شخصية خوسيه اركاديو المؤسس نفسه، واثناء ما كان القطار القشاش يسير في رحلة الذهاب كان يقرأ ماركيز اسماء القُري، وكانت اغلبها شاهدة علي ثورة الموز، التي مات اثرها العديد من العُمال علي ايدي السلطة والشركات الامريكية للفاكهة، وكانت ماكوندو احد تلك المدن التي كانت علي شريط القطر التي هجرها الناس واصابها التلف بعد الثورة ونشأت نتيجة نشاط شركات الفاكهة الامريكية في المنطقة.

لم يخطر في بال ماركيز ان يكتب حكايات عائلته، والتي كتبها فيما بعد كما كانت اخيه الصغير في كتابه «الملفات السرية لمئة عام من العزلة»، والذي لم يترجم للعربية حتي اليوم، وقد ذكره ماركيز في كتابه وسيرته الذاتية «انت تعيش لتحكي»، ما أود ان اقوله لك، ان كل ما تخيله ماركيز في الرواية الساحرة له والتي اعطته الفرصة للفوز بنوبل، لم تكن خارج الصندوق بالضبط، بل كانت في اقصي قاع الصندوق، كانت في ذاكرته، حينما قام بتلك الرحلة التي يذكرها بالتفاصيل الدقيقة في بداية سيرته الذاتية، نهض من الصندوق نص مئة عام من العزلة، وفي تسع سنوات، وبعد محاولة للنشر سابقة للنص تسمى «الورقة الجافة»، اصبح لدي البشرية والأدب نص مئة عام من العزلة، والذي سهل علي القارئ والناقد والدارس معرفة سمات الواقعية العجائبية.

بيج وبرين ومدام عفاف الأرشيف

من الحقائق المؤسفة التي يجب ان اقولها ككاتب وكدارس للهندسة، هي ان جوجل الذي ساهم كثيراً في ثورة الاتصالات والمعلومات في العالم، يعتمد في بدايته وانطلاقته علي محرك بحث BackRub ونظام اعلان Adwords، ولأن كلا الشيئين يطول شرحهم، سأقول لك اختصاراً ان الأول يقوم بالبحث سريعاً في سجل به مليارات الاحتمالات، والاخر يقوم بالترتيب وفقاً لعدد تكرار الكلمة التي يقوم الاول بالبحث عنها، وحقيقةً الفكرة ليست بالجديدة علي الاطلاق، حيث يقوم نظام الأرشفة الورقي علي نفس الفكرة، تكرار الاسم المحتمل هو عدد الاوراق في الملفات، والترتيب وفقاً للابجدية وعدد الاوراق، ولذلك يسهل علي مدام عفاف ايجاد الملفات.

تملك جوجل اليوم تحت يديها اكثر من مئة وخمسين شركة، كل تلك الشركات كانت نتيجة لسرعة جوجل في امرين، الاول هو اداء خدمة البحث وتقديم المعلومات للمستخدم العادي الذي كان يستخدم جوجل كمحرك بحث، والامر الثاني هو ترتيب الصفحات والمواقع وفقاً للخدمة التي كانت تقدمها جوجل كاعلان للمواقع الالكترونية والشركات في تقريب موقعهم في نتيجة البحث لدي المستخدم، وكلا الامرين يعتمدان علي فكرة باك-ريب وفكرة ادوردز، والتي في الاساس قريبة للغاية من فكرة الارشفة التي تستخدمها في مصر مدام عفاف.

اي باختصار الحصن الذي أخذ مشروع «ارا» الذي اصبح فيما بعد جهاز موتورولا زد الذي يمكن اضافة الكثير من المواصفات فيه عن طريق قطع خارجية، والحصن الذي استغل قدرة اندي روبين في تكوين الانظمة ليصنع الاندرويد، في الحقيقة لم يأتي من خارج الصندوق، بل من اكثر مناطق الصندوق خطورة ورتابة، اتي من ذات الافكار التي يؤمن بها ويقدسها موظفي الارشيف وشئون الطلاب.

كيف بدأ الأنمي؟

السؤال دائماً حول اليابان يكون «كيف صعدت اليابان الي ان تكون كوكباً»، ودائماً وطال ما ستكون الاجابة «بعد هيروشيما وناجازاكي» وقصة مشروع مارشال لاعادة الدول ما بعد الحرب وغير ذلك، وربما ايضاً يدخل لدينا في القصة فضل التعليم في صعود اليابان  ، ولكن اذا نظرنا علي الخريطة جيداً، دولة مثل امريكا مثلاً بالرغم من استقرارها وبعدها عن العالم من كلا جهتيها وعدم وجود اي عدو قوي حولها وشبه استقرارها الطبيعي تقريباً لولا العواصف، الا انها لم تحظي رغم ارتفاع قيمة التعليم فيها الي بعض ملامح بلد مثل اليابان.

الجزء الذي يجب اضافته هو فوز دونالد ترامب في دولة مثل امريكا بينما لم يفز اليمين في فرنسا! لماذا فرنسا لا تقبل العنصرية وامريكا تقبلها؟ اضف الي ذلك الصعود الهندسي في هندسة المعلومات في الهند، ونشاط الاقتصاد الصيني رغم صعوبة اخراج الاموال خارجها، وانغلاق الصين اكثر مما كانت عليه حضارتها خلف سورها العظيم.

كيف بدأ الانمي؟ هي الاجابة الحقيقية لكل تلك الاسئلة وليست سؤالاً، نشأة الانمي لم تكن تخيلية، ولكن كانت بناءاً عن قصة اليابان القديمة، وكيف عاش الشعب المحاط بالماء والمهدد بالبراكين والزلازل وامواج التسونامي الهائلة، الفنون القتالية والاطعمة والخيال كانوا جميعاً المنقذ الوحيد لهذا الشعب الذي عاش رعباً طويلاً، والذي اليوم يحمل عرشه اليوم احد اقدم السلالات الحاكمة في تاريخ البشرية.

باختصارة التجربة يابانية مئة بالمئة، والتجربة فرنسية مئة بالمئة، والتجربة هندية مئة بالمئة، الشعوب التي تنهض بماضيه لن تحتاج الكثير من المحاولات لكي تنجح، ستنجح من خبراتها السابقة وحيواتها السابقة في الفشل والسقوط، النجاح صفة أصولية بعض الشئ، يجب ان تأخذ مساراً له ماضي لكي يكون له مستقبل، الانمي فن ياباني قوي وعظيم محكم البناء في الكتابة والتمثيل والرسم والاخراج، اغلب الحبكة لم يكن من خيال الكاتب، اغلب الحبكة كانت امام عينيه، وكذلك حال فرنسا حين انتخبت ماكرون، وكذلك الهند في صعودها، وكذلك الصين، اما بالنسبة لامريكا بالرغم مما وصلت اليه من مساهمة في العالم، الا انه شعب بلا ماضي كافي لمعرفة قيمة ما يقولوه، ما اود ايضاحه بهذا المثال، ان كل هولاء لديهم صناديق يفكرون داخلها وخارجها، اما الامريكان لديهم صندوق فارغ ولذلك كل افكارهم من الخارج، واحياناً تكون افكار اجنبية لفراغ الصندوق.

قُصر الكلام

عزيزي صاحب الدعوة العامة للتفكير خارج الصندوق، أسمي رباعي بهاء الدين يوسف شعبان حجازي، احفظه جيداً، يبدو من اسمي اني عربي اصيل، حقيقةً لا استطيع جمع تاريخي بالكامل، يعود نسب العرب ال48 قرن او يزيد عن ذلك، وفي كتاب ابن كثير المسمي البداية والنهاية يأتي بين ابراهيم ونبي الله عيسي اكثر من الفين من الزمان، وكان وقت نبي الله ابراهيم قبائل العرب المسماه «جرهم» والتي ذكرها الشاعر العربي الزهير بن ابي سلمي في معلقته :

“فَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الذِّي طَافَ حَوْلَهُ | رِجَـالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُـمِ”

وكان نبي الله ابراهيم من الذين ذكروا في السنة انهم وصل بهم العمر الي عمر نوح، ومن الجيد ذكره جيداً ان تاريخ حضارة العرب ذُكر في تاريخ كتاب المفصل للمؤرخ جواد علي، ان تاريخ العرب قبل الاسلام يعود لعقود كثيرة، وفي كتاب البداية والنهاية ايضاً ذكر ابن كثير فصائل متعددة من العرب، تنحصر بين عاربة ومستعربة وبادئة او بائدة، والي اخره من ذكر الادلة والاسانيد ان العرب من يومنا هذا الي يوم ان جعل الله بين الامم امة العرب عاشوا تقريباً خمسة الاف سنة.

سؤالي الدائم لكل مُدعي الفكر خارج الصندوق، هل لسمح الله ادركت حضارة الخمسة الاف سنة كاملة لكي تري اننا لا يجب ان نبحث فيها ونستعين ببعض تفاصيلها لكي نقرر شيئاً في مستقبلنا؟ هل بحثت جيداً داخل الصندوق فرأيت اننا يجب علينا ان نبحث خارجه؟، ان العقل العربي الذي يحمل في ذهنه تراث الخمس الاف عام والذي تقوم بحفظه اللغة العربية، يملك صندوقاً لم تتسع له الحضارة الفرعونية ولا حضارات كثيرة، حيث ان حضارة العرب بدأت من بين تلك الحضارة ولا زالت قائمة في بعض اللمحات، حيث انها بدأت ادباً من شعراء الجاهلية، ولا زلت مستكملة في الادب وبعض العلماء، وازمتها الوحيدة هي ازمة الحكم لا الشعوب جميعها.

ان من اظهار الاحترام للناس، هو احترام اين يفكرون، هذا المقال لاصحاب الصناديق المغلقة، الذين لا يملكون الا فراغاً في صناديقهم، اقول لهم واني استهجن في قلبي مخاطبتهم، ان البشر احراراً خلقوا عرايا، ليفكروا كما يشاؤون خارجاً وداخلاً، ان ما علينا هو عدم انكار التفكير، لا الامر اين نفكر، ولا انكار افكار الاخريين، واذا كان التفكير خارجاً يعني محو التراث العربي والاسلامي بالاخص الذي اثر كثيراً في هذا التراث، فأقول لك ان هذا العالم ما كان ما تراه الا بالصندوق الذي تود الخروج منه، وكما تقول امي دائماً «اخرج عريان عشان يجيلك برد ومحدش هينجدك»، يا محدود الفكر والدم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد