أن تكون كسيحًا وتطلب المبارزة فهذا تمامٌ ذَهاب عقلك، ومن دون العقل تتحول حواسك من أدوات للإدراك تدعم العقل في تكوين صورة حقيقة لواقعك الذي تعيش إلى أدوات فوضوية تتقافز مخلّفة وراءها هرجٌ ومرجٌ ومكونة بذلك صورة عشوائية لا توحي بشيء، فلسانك ينطق بطلاسم غير مفكوكة، وأذنيك تسمع ما لا يقاس بالديسيبل، وعينيك يختلط عليها أضغاث الأحلام ببعض خيالات الواقع، هنا تفقد أهليتك وتمحى كينونتك ويلفظك الواقع.

منذ أن وقعت مصر أسيرة في أيدي شرذمة من المجرمين بعد أن انقلبوا على رئيس أتت به ديمقراطية وليدة استطاعت تلك الحفنة البليدة من جعلِنا نألف سماع الفواجع، بل مشاهدتها أحيانًا كثيرة فلم نعد نجزع لحادث اعتقال أو تصفية جسدية أو لأحكام إعدام أو حتى تنفيذها، فأصبحنا مع مرور الوقت أجسادًا لها خوار كلما حلت عليها مصيبة خارت فلا تسمع لخوارها هذا صدى، وما أن يتبدد هذا الصوت حتى يعود لها سكونها ووداعتها مرة أخرى، هكذا أصبحنا وهكذا نمضي.

كان مشهد موت الدكتور محمد مرسي رحمه الله من أكثر المشاهد تجليًا للحالة التي وصلنا إليها من فوضوية وتخبط وتيه، فموت الرجل يعد هو الحدث الأكثر فجاعة بعد مجزرة اعتصام رابعة، فكان من المنتظر أن نتابع ردود فعل تتناسب مع الحدث وتكون على مستوى المصيبة التي حلت، لكن أتت الصورة اكثر فوضوية بردود فعلٍ لا تنم الا عن أن أصحابها معزولون بشكلٍ كلي عن واقع لم يعودوا جزءًا منه، وأن إداركهم قد حل عليه عطب مزمن.

فهنا يخرج علينا أحدهم في وسط الجموع المغتمة يشجب ويندد، بل ينادي بالقصاص من تلك العصابة الحاكمة التي تعمدت التخلص من الرجل بالقتل البطيء، وما هي إلا دقائق مرت على انطلاق كلمته حتى سمعناه هو يبعث بنداءات متتابعة يطالب فيها النظام المنقلب بتمكين أسرة الدكتور مرسي من حضور جنازته والصلاة عليه، بل يطالب الأمم المتحدة الداعم اللصيق للنظام بالضغط لفتح تحقيق حول ملابسات موت الرجل في مشهد اكتساه التناقض من جميع جوانبه.

وهنا آخرون خطفت عقولهم العجوزة كاميرات الإعلام المسلطة على الحدث لترصد تبعاته، فرأيتهم في سباق على الظهور، وكأن الجنة على وشك إغلاق أبوابها، وفي مشهد آخر أصاب المتابعين له بذهولٍ أعجزهم، فظلت أعينهم صامتة لعل الصورة تتغير ويكون ما رأته إلا خيالات أذهان شاردة بفعل عظم الحدث.

حينما خرج علينا بعضهم برسالة طمأنة بأن الشرعية التي نناضل من أجلها مازالت موجودة، فبحسب قوله فإن الشرعية انتقلت طبقًا للمادة كذا في دستور كذا من الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية لعلة وفاته إلى الدكتور محمد سعد الكتاتني لكونه رئيس مجلس النواب الشرعي في مشهد هزلي خرج أصحابه خارج إطار الزمان والمكان، وكأن رسائلهم تأتينا من كوكب زحل بقلوب وعقول أسيرة لصنم يدعى الشرعية.

وكأن لسان حالهم يقول لو أن صنم الشرعية كان من عجوة فأُكل، فلنصنعن صنمًا من حجر يستعصي عليهم أكله، أضف إلى ذلك الكربلائيات الموسمية والتي لا تفارقنا كلما حلت علينا مصيبة، هذه المشاهد وغيرها ما زادت الصورة إلا قتامة فأصبحت، النظرات يائسة والأمال معدومة.

ما نستطيع الجزم به الآن أن جل الكيانات والحركات والتنظيمات الموجودة على الساحة الأن أصبحت خلف جدار الواقع، فقد تجاوزها الزمن وتجاوزتها الأحداث بسرعتها وأصبحت مقيدةً داخل قوالب أربعينية لم تعد تملك حلولًا ولا تصنع أثرًا ولا يقومها نصح ولا يردعها نقد هذه مسوخ قد تُودّع منها، وأخيرًا يبقى الأمل معقودًا في الجيل الجديد من الشباب ابن عصره و ابن زمانه يدرك واقعه ويتفهمه وينطلق بتجربته بوعي أكسبته إياه مرارة أحداث السنوات المنقضية، يسعى بعزيمة وإصرار إلى تغير الواقع المؤلم وإحداث الأثر الملموس ويقضي على صوت الخور السمج الذي صم آذاننا لتسكن مكانه سمفونية الحركة التي لن تتوقف بإذن الله، مستعينًا بدروس وعبر الماضي ودوافع الحاضر وأمال وطموحات المستقبل، جيل يجعل من تجربته مركز الحدث ولا يرضى بأن يكون على أطراف الواقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد