تخوض الحكومة التونسية مفاوضات حاسمة مع صندوق النقد الدولي للحصول على خط تمويل جديد في وقت يسود البلاد تجاذبات أزمة سياسية حادة ومعركة كسر عظام بين رئاساته الثلاث ويرزخ الاقتصاد تحت وطأة أزمة خانقة منذ سنوات، ولكن ازدادت حدة بسبب تداعيات جائحة الكورونا، وتشابكت عوامل عديدة في استفحالها، وكانت تلتقي دائما في نقطة واحدة، وهي تواصل عجز آلة التفكير اليمينية (بتفريعاتها) السياسية والاقتصادية القائمة منذ عقود على إدارة وتنفيذ سياسات الدولة في حلّ مشاكل البلاد الحقيقية.

من الضروري اليوم النظر بإنتباه شديد للمفاوضات الخفية الدائرة مع صندوق النقد الدولي، خصوصًا ما يطرح من مقترحات يشبوها الغموض في شكل اتفاقية جديدة تتضمن ما يطلق عليه برنامجًا إصلاحيًا أهدافه كما يروج تسريع وتيرة مطالب الصندوق الفنية، وتحسين حوكمة وإدارة القطاع العام بكافة مكوناته وتقليص كتلة الأجور، وإصلاح الجباية وتوجيه الدعم إلى مستحقيه أو بأكثر وضوحًا وصراحة إلغاؤه في غضون 2024، ويشمل المواد الغذائية بالدرجة الأولى بالتوازي مع تقليص الإنفاق على القطاعات الخدماتية، كالصحة، والأدوية، والتعليم، والسكن، وبالمقابل زيادة الضرائب على الخدمات اليومية، كالكهرباء، والغاز، والمياه، والنقل، والاتصالات، وما شابهه، وهو ما بدأت الحكومة تفعيله منذ أيام، وستتلوه زيادات قادم الأسابيع.

يبدو أننا نعيش أوضاعًا شبيهة بأزمة ما قبل الاحتلال واستذكار الكومسيون المالي، خصوصًا مع تصريح رئيس الوزراء الفرنسي في زيارة الأخيرة وضع حكومته خبراتها الفنية على ذمة تونس لبعث وكالة للتصرف في الديون لتحقيق التوازن في المواد المالية.

لقد دخلنا رسميًا عصر انعدام الأمن، انعدام الأمن الاقتصادي، وانعدام الأمن المادي، وانعدام الأمن الاجتماعي، وطبعًا السياسي، حقيقة أننا غير مدركين إلى حد كبير لذلك.

قلة يتوقعون معنى الانهيار التام وسقوط البلاد والكوارث الاقتصادية والسياسية التي ستعقب ذلك.

للأحزاب السياسية دور مهم في صنع السياسة العامة وتأطيرها، حيث تُعد إحدى قنوات الاتصال السياسي والركيزة القوية والمنظمة للربط بين القمة والقاعدة ومحطة تواصل دائمة بين المواطنين والسياسة، خصوصًا اقتراح وتقييم السياسة العمومية للدولة، لاسيما من خلال وجودها وتمثيلها في السلطة التشريعية أو عن طريق تنفيذها للقوانين في (السلطة التنفيذية – الحكومة) أو عن طريق تواجدها في المعارضة، باستخدام وسائل وطرق عديدة للضغط والتأثير على السلطة.

ولكن عندما لا يكون لممارسة السياسة معنًى في هذه البلاد فإنك لن ترى سوى العبث حتى وإن اجتهد البعض في امتهان أدوارهم السياسية.

في غياب العقل والواقع، تنْحَط السياسة وتتحنّط، وتتوقف أن تستمر سياسة!

لقد حولوا الجدل السياسي بأسمى معانيه إلى شجار متوترٍ وبغيضٍ، فقدنا من خلاله الاتصال بالأسئلة الحقيقية للسياسة، نحن الآن لسنا فقط ما بعد الديمقراطية، لقد أصبحنا ما بعد الأخلاق وأصبحت الديمقراطية على نحو متزايد عبارة عن قوقعة فارغة.

أصبح للحماقة مسمى ووجود في إدارة البلاد، ففيها من غباء المسؤولين والسياسيين الشيء الكثير الذي يستحيل تحصين أي أمر ضدهم لأن غباءهم مبدع.

من الواضح أن هناك طريقًا طويلًا لنقطعه بحثًا عن الأمان، فهذه الدولة بلا عقل ولا ساسة، في زمن أصبحنا لا نفرق فيه بين خيانات حكومة أو نقابة، لتنظر فقط إلى وقائع التخاذل اليومية في معركة الكوفيد أو النداءات المتكررة للتفكير في المصالح الفردية وتنحية التفكير في المجتمع والتضامن.

بكل أسف يترنح البلد بسبب الكبرياء والخطيئة وتقتله تكتيكات المافيا والقرارات المتخذة بطلب من نوادي الرأسمالية والجشع والأنانية.

لن أخاطب إلا العقلاء من قومي، وخصوصًا عائلتي السياسية فإذا كان للديمقراطيين الاجتماعيين قضية تستحق القتال من أجلها، فعليهم أن يأخذوا أفكارهم إلى الناس بدلًا عن مجرد الاختباء وتوقع الأسوأ.

في مثل هذه الأوقات الخطرة التي تعيشها البلاد، لن تكون أحزاب الخوف قادرة أبدًا على جمع الناس من حولها في هذه المعركة المقدسة وهم أنفسهم لا يعتقدون أن لديهم شيئًا ذا قيمة ليقدموه من شأنه أن يجعل التغيير ممكن والمستقبل أفضل.

نعم إن المعركة أكبر من مجرد تنديد بالوضع وبدلًا عن ذلك، يجب علينا أن نجرؤ مرة أخرى على إقناع أنفسنا بأن فكرة الديمقراطية الاجتماعية التقدمية، والتطلعية لها كل الإمكانات لجذب الأغلبية في تونس.

إذا كان الاجتماعيون أنفسهم لا يعتقدون أن لديهم شيئًا ذا قيمة ليقدموه من شأنه أن يجعل المستقبل مكانًا أفضل، فلماذا يريد أي شخص اتباعهم؟

إذا أراد يسار الوسط أن يستعيد ناخبيه ومريديه، فسيكون مطالبًا ببعض التواضع بحيث يجب أن تكون قادرًا على تسمية المشكلة إذا كنت ترغب في حلها.

ما يجب أن يؤخذ على محمل الجد الآن، على اليسار الاجتماعي أن يجد صوته، هناك الكثير مما يدعو إلى الغضب: تزايد عدم المساواة، مظالم الطبقات الإجتماعية والاستغلال الاقتصادي، استشراء المال السياسي إنه الثالوث المريع الذي يسد شرايين الديمقراطية في البلاد، لكن لن يكفي بعد الآن تحديد أوجه القصور في نظام الانتقال الديمقراطي، ثم التراجع إلى الربوة.

إن الديمقراطيين الاجتماعيين بحاجة إلى أن يتعلموا مرة أخرى التفكير خارج حدودهم بعيدًا عن صياغة العبارات الفارغة واللفظانيات ووهم الكاريزما الافتراضية ورومنسيات القائد.

إذا أردنا استبدال الخوف بالشجاعة والأمل والثقة، لا ننتظر حكومة العاجزين فنحن كفاعل سياسي وعائلة مشتتة بحاجة إلى قصة مختلفة نرويها، عن الدولة والمجتمع على حد سواء: قصة تحمل قناعة فكرية، أخلاقية وسياسية.

نحن ببساطة لا نعرف كيف نتحدث عن هذه الأشياء بعد، فالسبيل إلى جعل هذا الوطن يسير بشكل صحيح هو جعل مجتمعه يتحدث عن مشاغله بشكل صحيح.

ستكون الكلمات المفاتيح السؤال الاجتماعي الذي أعاد صياغة نفسه على أنه تحدٍ سياسي والدولة التي يجب أن تلعب دورًا معززًا في حياتنا دون تهديد حرياتنا، بدلًا عن وضع ثقة عمياء في السوق – كما فعلنا طوال العقود الماضية – تنفيذًا لسياسات راديكاليي السوق الذين فقدوا أي إحساس بالمجتمع في وقت أصبحت فيه السياسة مجرد صراع بين جماعات المصالح.

نحن بحاجة إلى إعادة التفكير في الدولة عبر إعادة صياغة مشروع الديمقراطية الاجتماعية، وأن نتوقف أن نكون دفاعيين وأحزاب خوف لقد مارسنا منذ فترة طويلة شيئًا يشبه الديموقراطية الاجتماعية، لكننا لم نوفق يومًا في أن نعظ بها.

سأقطع مع الإيقاظ المتردد للضمير الاجتماعي الديمقراطي والدعوة مجددًا لزخم حالة الانطلاق للبدء في صياغة بيان جديد للديمقراطية الاجتماعية، وفق رؤية موحدة للعدالة البيئية والاجتماعية والقدرة على التعاون الوثيق بين مكونات العائلة، والتفكير في البناء السليم للحزب الاجتماعي الكبير انطلاقًا من الرافعة التنظيمية الأكبر حاليًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد