الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي ذو تركيبة معقدة من المشاعر، دائمًا بحاجة إلى الشعور بالحب التقدير ممن حوله، أن يشعر بالانتماء والوجود. ولذلك يساهم في تكوين العلاقات الاجتماعية التي توفر له الشعور بالسعادة والاطمئنان والأمان والراحة النفسية قبل الجسدية، فالتواصل الاجتماعي أصبح الآن ضرورة ملحة، وحاجتنا إلى تكوين علاقات اجتماعية أصبح أقوى من ذي قبل.

العلاقات الاجتماعية

أية علاقة اجتماعية تأخذ خمس مراحل:

  • التعارف: والذي يعتمد على علاقات سابقة، والقرب البدني، والانطباعات الأولى، ومجموعة عوامل أخرى. إذا بدأ شخصان يحب كل منهما الآخر، فقد تؤدي التفاعلات المستمرة إلى المرحلة التالية، ولكن التعارف يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.
  • البناء: أثناء هذه المرحلة يبدأ الشخصان في أن يثق ويرعى كل منهما الآخر. وهناك عوامل ستؤثر على ما إذا كانت العلاقة ستستمر أم لا؛ مثل الحاجة إلى الصداقة الحميمة والتوافق وعوامل التصفية، مثل الخلفية المشتركة والأهداف.
  • الاستمرار: تأتي هذه المرحلة عقب التزامات متبادلة لصداقة طويلة المدى أو علاقة رومانسية أو زواج. وعادة ما تطول هذه الفترة وتتسم بالاستقرار النسبي. فالنمو المستمر للعلاقة وتطورها يحدث في أثناء هذه الفترة. الثقة المتبادلة أمر ضروري للحفاظ على العلاقة.
  • التدهور: ليس ضروريا أن تمر جميع العلاقات بهذه المرحلة، ولكن العلاقات التي تتدهور تبدو عليها سمات المشاكل من المراحل السابقة. قد يحدث نوع من الملل أو الاستياء أو عدم الرضا وحيئذ يضعف التواصل، ولا تحدث المصارحة بالذات، وقد يحدث نوع من فقدان في الثقة، أو حالات الخيانة، كاستمرار لتدهور العلاقة، وفي النهاية تنتهي هذه العلاقة. أو قد يجد بعض الأطراف طريقة لحل المشاكل وإعادة توطيد الثقة.
  • الإنهاء: تمثل المرحلة الأخيرة انتهاء العلاقة، إما بالانقضاء في حالة العلاقة السليمة أو بالانفصال.

وفي الطريق لتكوين علاقات جديدة يقع الكثير في فخ التنازل عن بعض السمات الشخصيته، أو التازل عن رأيه الطبيعي غالبًا أيًا كان في سبيل إتمام العلاقة الجديدة.

وأحد هذه المشاكل هي:

مشكلة الإفراط في الود (المجاملات)

المدح والمجاملة إحدى نزوات الإنسان لنيل السعادة. هي طريقة حادة التأثير على الآخرين في البداية دائمًا، مع أنها صادرة عن نوايا حسنة، إلا أنها في نهاية المطاف نكتشف أنها كانت مزعجة وفي غاية الوقاحة، ولذلك تعتبر مصيبة اجتماعية تدمر أغلب العلاقات.

لماذا يلجأ الناس إلى المجاملات؟

ما يدفع الشخص ليكون مجاملًا مفرطًا هي قدرة المجاملة على تمكين الشخص من استمراره، وتوافقه مع أغلب شخصيات المجتمع في جميع الفئات، حتى مع الشخصيات الغريبة والغامضة.

المجاملة تعتبر من الأمور الايجابية التي تحسن من معنويات الأشخاص وتوطد العلاقت في بعض الأحيان لذلك يستخدمها الكثير في توطيد علاقات لنيل مصالح شخصية خوفًا من رفضها بالمعاملة الطبيعية.

فقدان الثقة بشخصية المرء سبب كافي يجعله يشكل شخصيته على أهواء الآخرين.

التجارب الاجتماعية الفاشلة التي عاني منها الشخص مع أشخاص لا يتقبلون الاختلاف أو الرأي الصريح.

أو يمكننا أن نسأل هذا المجتمع الذي نعيشُ فيه حذرين من خلافٍ قد ينهي حريتنا في الاستمرار في إبداء الرأي.

الشخص المجامل مخطئ في أمور هامة:

الاعتقاد بأن عليه موافقتك في كل شيء

لا تستغرب! نحن نعذره، فالمجتمع العربي الذي نعيش فيه نادرًا ما تجد فيه سياسة تقبل الرأي، لذلك كان عليه أن يتنازل عن رأيه الشخصي في البداية لتكوين صداقته بك، لو راجعت صداقاتك الشخصية لوجدت أنه نادرًا للأسف ما أصبحت صديقًا مع شخص اختلفت معه في رأي.

لو قال شخص إنه يعتقد أن العالم قارب على الانتهاء؛ تراه يهز رأسه موافقًا متحسرًا، أو أن العالم في مشواره إلى ذروة تقدمه؛ تراه مندهشًا يعدد له تكنولوجيات العصر معتقدًا معه نفس القدر. عندما تقول نكتة ذكية يكون منبهرًا بذكائك. أو حتى تلك الكلمات الغبية التي تخرج من فمك تعجبه بساطتها. أو ضاحكًا على نكات الآخرين التي لا تعجبه. وتفضيلات الكتب والروايات التي يقرؤونها على مفضلاته، التحدث عن ذلك الفيلم المفضل لهم كناقد منافق في سبيل اكتساب ودهم وإيجاد صفات مشتركة، والتي سكيتشف لاحقًا أنها لم تكن مشتركة فعلًا، بل كانت توافقًا متصنعًا من جانبه.

هذه الموافقة والمدح قد تبدو لنا شيئًا من هذا السلام الداخلي، والعين الجميلة التي تري جمال الأشخاص، لكن للأسف، إنما هي نوع من عدم الاحترام والاهتمام المصطنع.

المجاملات ذات الأهداف الأخرى لا قيمة لها

دائمًا الكلام الذي يخرج لسبب غير سببه يفقد قيمته حتى وإن كان صحيحًا، على الكلام أن يرتبط فعلًا بمشاعرنا وطريقة تصرفاتنا أن يرتبط بشخصياتنا المستقلة، وهذا ما يفرقنا عن الآلات، الجميع يحب المدح لا شك، لكن أن تمدح مدحًا متصنعًا لسبب آخر، هو نوع من الإهانة أيًا كان السبب.

التفاؤل المضر لحد السخرية

تمسكة بالتفاؤل ونظرته دائمًا لثلاثة أرباع الكرة الأرضية المملوءة بالماء.

هذه الشخصية المجاملة متفائلة دون رحمة، يخبرك كم تبدو جميلًا، وأن جمالك سيدوم بشكل ما، أو كم هي وظيفتك عظيمة! أو مجالك شيق وممتع وأن مستقبلك مشرق لا شك والقادم أجمل، كم هي حياتك مثالية …. إلخ إلخ إلخ!

حتى وإن أخبرته بالمشاكل التي تواجها وما تعانيه في حياتك تجده يمسك مايك محاضر التنمية البشرية وينطلق في تهوين الحياه ومدح تحملك للمشاكل وأن كل شيء سيكون علي ما يرام وأنت شخص عظيم. كلام رائع لا شك، لكن مبالغًا فيه.

فلسفة الشعور بالآخرين

فالشخص المفرط في المجاملة يدعي غالبًا فهمه لشعور الأشخاص، لكن لا يعرف أنه لا أحد مهما وصلت درجة معرفته بتفاصيل الشخص الآخر أن يتفهمه كليًا فما بالك بأول مرحلة تعارف.

نتائج رفع التكلفة

ما لا يعرفونه أنهم قد رفعوا تكلفة كشف أي شيء من جانبنا المظلم أو لحظاتنا السيئة أو جوانب سوداوية صعب التعامل معها في شخصيتنا. فلا نشعر براحة الصراحة نشعر دائمًا معهم بشعور الذنب بأننا لسنا هؤلاء الأشخاص المثاليين، ولا تليق بنا هذة المجاملات.

نصائح عند بدء علاقة جديدة

خذ في اعتبارك أشياء مهمة عند البدء في أية علاقة جديدة:

اختلافك في الرأي لا يعني الخلاف

في معظم الأحيان نكون متعطشين لأن يعارضنا أحدهم بدون التقليل من شأننا؛ ليس لأننا نحب الخلاف، بل لأننا دائمًا نريد التعلم من تجربة مختلفة، ننظر من فكر آخر؛ لنتعلم شيئًا ذا قيمة من تجارب وأفكار بعضنا البعض.

القيمة الفعلية للمجاملة تعتمد كليًا على المقدار الذي تصرف به

تعلم المجاملة على الأشياء التي تستحق، أو فعلًا جميلة، بدون إسراف في الكلمات في وقتها وموقفها المحدد فقط، فعندما تفرض عليك اللحظة لا مانع من تلك المجاملة الرقيقة التي سيكون لها صدي أعمق في تكوين العلاقة.

الناس لا تبتهج لمجرد قولك أشياء مبهجة

الناس تفضل الشخص الذي يقف بجانبهم في الوحل، ثم الخروج معًا، عن الشخص الذي يشجعهم على الخروج والاغتسال، فحاول أن تكون ذاك الشخص الذي يقدم المواساة والتعاطف في وقته والتشجيع والنصيحة في وقتها، ذلك الشخص الذي يرغب بالسفر معك إلى جميع أجزاء شخصيتك المعقدة.

لن ترضي الناس مهما كان

خذ باعتبارك أنه ليس من الضروري إرضاء أي شخص تحاول معه، فقط تعامل بأفكارك وتناقضاتك واختلافاتك في الرأي بما تحب فعلًا وما تكره، تذكر هذا ليس آخر شخص على وجه الأرض؛ لتكون بهذا التنازل لتوطيد علاقة اجتماعية معه.

عش بفلسفة اجتماعية محددة

الإنسان كائن انتقائي ليس امتصاصيًا يستوعب وينطبع بكل ما يصدقه أو يحيط به من مواقف واتجاهات وعادات وأخلاق وقيم، إنه يستوعب

ويتأثر ببعض ما يحيط به، بينما ينأى عن البعض الآخر ويناقشه، بل يسقط من مقومات عناصر سبق أن انتقاها واكتسبها واستوعبها، فلا يبقيه على حاله، بل ينسج كيان شخصيته بمواقفة وتعاملاته واختلافاته.

لقد أسرفنا في المجامَلة، وأفرَطنا في المسايَرة والمصانعة؛ حتى كِدْنا لا نَرى ناقدًا لمخطئ، ولا معترضًا على مُبطِل، وعددْنا ذلك كياسةً ولباقةً. علينا أَن نروض أنفسنا من وسواس عدم تكوين علاقات اجتماعية لكي لا تؤثر علي أفكارنا النقديه وتفكيرنا السليم.

دُمتُم سَالِميِن حَالِميِن وَاقِعِيّين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد