1

– مرت أربع سنين.. تصدق؟

– مش مصدق الحقيقة.. أنا كنت متعود دايما أقولكم “مر 3 سنين ومحصلش حاجة”.

الأكيد أن مصر الجديدة قد تغيرت بعد يناير سياسيًا ولن تعود إلى ما قبلها ولو كره الكافرون بها. الوضع ليس على أفضل حال ولكنه قد تغير. ولازالت أصوات الناخبين ذات قيمة.

على جانب آخر فالوضع اقتصاديا لم يتغير كثيرًا. لازالت مؤشرات الفساد وتقرير منظمة الشفافية الدولية يضع مصر في مرتبة متأخرة في محاربة الفساد. كنا قبل يناير في المرتبة ال 97 والآن نحن في المرتبة ال94.

أما على المستوى الثقافي فقد شهدت مصر هوجة من الأغاني الوطنية التي صاحبت “أورجازم الشوفينية” في الأربع سنوات الماضية وعلى جانب آخر شهد ذوق جيل الشباب تغييرًا ملحوظًا صاحبه ازدياد معدلات القراءة وازدياد المقبلين على الكتابة. وبغض النظر عن أن معظمها لا يناقش أفكارا سوف تحيا، إلا أن الكثيرين يرون في هذا “طاقة نور” قد تتمخض عن خروج إنتاج ثقافي ناضج في ما سيأتي من سنين.

الثورة هي مجموعة من التغييرات السياسية والثقافية والاقتصادية، وطبقا لهذا التعريف من الممكن تلخيص التغييرات السياسية والاقتصادية والثقافية لثورة يناير في جملة واحدة “خلي علينا خالص”.

تلك الجملة العبقرية التي “يعشمك” بها البائع المتجول في أنه سيعطيك كل شيء بلا مقابل.

ولكنك تستفيق على وقع دفعك لكل ما في جيبك مقابل تلك المجاملة الرخيصة بعد ذلك. كل هذا لتكتشتف في النهاية أنك كسبت سلعة متواضعة. لذا “خلي علينا احنا خالص”.

2

صباح 25 يناير قررت أمي أن تغلق باب بيتنا بعد أن تستولي على مفاتيحي وأنا نائم. لم أشارك في تظاهرات هذا اليوم ولكني خرجت رغما عن الجميع بعد ذلك.

رجعت إليها بعد تنحي مبارك الذي بكت حينما كانت تستمع لخطابه العاطفي فاحتضنتني وبكت. بكت لأجل مبارك مرة ولأجلي مئات المرات، ولهذا فلم أُذكرها بهذه الواقعة بعد ذلك. ظلت اللقطة العالقة بذهني عن علاقتها بيناير يوم أن سمعتها تكرر “أه يا ولاد الكلب” حينما رأت الجمال والبغال المحملة بصور مبارك تحاول اقتحام الميدان يوم الجمل. ثورتنا جعلت أمي تسب مبارك وحاشيته بالأهل. وهو ما لم أسمعه من أمي طوال عقدين من الزمن، هي حياتي معها قبل يناير.

أمي قد تغيرت.

يومًا ما حكى لي أحد مناضلين السبعينات بابتسامة رضا ما يلي:

“ظابط أمن الدولة اللي فضل يراقبني و يجيبني كل شوية يحقق معايا قابلني على الطريق السريع يوم 8 فبراير. وقف وقالي انت رايح فين؟ قلتله رايح القاهرة. قالي طب تعالى هوصلك. ركبت معاه سألني: “أنا عمري لفقتلك حاجة؟ عمري عذبتك؟” قلتله الصراحة لأ. أنا كنت زبون دائم عندكم بتاخدوني من وسط أهلي كل شوية وترموني أبات عندكم. بس تلفيق أو ضرب محصلش. قالي: “طيب. أرجوك تشهد بده لما يتطلب منك”. ضحكت وقلتله طيب.

ضابط أمن الدولة قد تغير.

 

-3-

“رجع الباشا بنفس الوش.. واللي اتغير بس الصورة
الله يرحم في التحرير.. كان بيبص وعينه مكسورة”

 

صديقي يهتف ليستعيد أمجاد يناير ثم يجلس معي بعد أن ينفض الجميع ليخبرني أن أكثر ما يحزنه أنه رأى تلك النظرة في عينه يومها. أنه هو من خلصه من بين أيدي المتظاهرين حينما أمسكوه ببدلته الميري وقرروا أن يفتكوا به لولا أنه هتف يومها “سلمية.. سلمية”.

 

خرج به من بينهم وأعطاه ملابسَ مدنية يتخفى بها وظن بذلك أنه يمنحه حياة جديدة. الضابط الذي أنقذه صديقي في هذا اليوم عاد الآن. يقف ككل رجال الشرطة. يملؤه إحساس بأنه الباشا. ينظر إلينا من تحت نظارته السوداء وكأن شيئا لم يكن.

ولكني أقول له: لا تحزن يا صديقي. صدقني “عُمر اللي انكسر ما يتصلح”.

-4-

حُكمت مصر منذ أن أنشأها الله وحتى قيام ثورة يناير دون انتخابات حقيقية، فأتت يناير وحدها لا شريك لها وانتزعت لشعبها هذا الحق. ولولاها لاستمر حُكام هذا البلد يتوارثون هذا الشعب كما تُورث الأنعام.

 

كانت انتخابات برلمان 2010 أحد الأسباب المباشرة لقيام ثورة يناير، فقد فاز الحزب الوطني ب97% من مقاعدها وقاطعها الجميع سوى حزب الوفد وجماعة الإخوان اللذيْن انسحبا بعد انتهاء المرحلة الأولى من الانتخابات. كانت مسرحية هزلية وماسخة لم يتقبلها الشعب المصري.

أتت الانتخابات التشريعية بعد يناير ببرلمان صاحب أغلبية من المنتمين لتيار الإسلام السياسي وأقلية للمنتمين للتيار الليبرالي واليسار. تم حل البرلمان بعد ذلك لوجود عوار دستوري شاب قانون الانتخابات. فيما أتت انتخابات رئاسة ما بعد يناير بمحمد مرسي مرشح جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم ثم عزله وزير دفاعه بعد تظاهرات 30 يونيو، ثم أتت انتخابات ما بعد 30 يونيو بعبد الفتاح السيسي وزير الدفاع الأسبق.

 

سادت الانتخابات الأولى بعضٌ من الأجواء التي شابت نزاهتها، فيما جرت الانتخابات الثانية في أجواء غير نزيهة بالمرة. ولكن في كلا الحالتين دعنا نؤكد أن من فاز هو بالفعل من حصد عددًا أكبر من أصوات المصريين.

“أنت ترى أن الشعب المصري يختار الأسوأ دائما. جيد. ابدأ في مساعدته على تغيير ذلك في المستقبل”.

 

-5-

نتيجة الانتخابات مُرتبطة بمدى وعي الجماهير ونحن لم نخاطبها منذ يناير. خرجت عفويا مدفوعةً بغضب انفجر بعد أن تراكم طوال سنين من الفساد ثم تلقفتها أيادي دولة مبارك بعد ذلك واستوعبت الموجة، ثم شوهتنا وقولبتنا وانقلبت علينا ثم عادت لتحكم بالجماهير. لهذا صُنع تعريف “الثورة المضادة”.

إن تكرار التكتيكات القديمة التي تُراهن على خروج ملايين غاضبة كما حدث بشكل عفوي فاجأنا جميعا في يناير يبدو سوءَ تقدير بيّنًا، لذا علينا أن نعيد الحسابات بدقة لنجيب بصدق عن بضعة أسئلة.
“هل يمكننا مخاطبة الجماهير؟”

“هل يمكننا تنظيم أنفسنا في كيانات مستقرة ولا تنقسم على نفسها؟”

“هل يمكننا عبور النقطة السابقة لتكون كياناتنا قادرة على جذب الجماهير مرة أخرى؟”

من سيجيب عن هذه الأسئلة ربما يستطيع أن يُكمل انتصارنا.

-6-

نحن لم ننهزم لأننا لم نحارب حربا كاملة. كسبنا بعض المعارك وانهزمنا في بعضها الآخر.

من المؤذي أن نكرر أننا انهزمنا. شيئا فشيء يتحول هذا إلى حقيقة في أذهان الجميع. وصدقني هكذا نحن نشارك بشكل قوي في مسخ ما حدث وفي تزييف التاريخ الذي ستتعلمه الأجيال المقبلة. كرر ورائي وعلمه لإخوتك الصغار وأبنائك.

“لقد انتصرنا في يناير”.

 

عرفنا بعضنا. زاد وعينا وإدراكنا للعالم من حولنا. تعلمنا الكثير وعرفنا من كان يختبئ بين صفوفنا وهو في الأصل ألد أعدائنا. وكسبنا بين صفوفنا أصدقاء ورفاق حياة جُددًا. كسبنا مزيدا من “قعدات القهاوي” وحكايات الأصدقاء. ضحكنا وسخرنا من الكل ومن أنفسنا.

 

بكينا لأجل أشخاص لم نعرفهم ولم يربطنا بهم سوى حلم مشترك في الحرية والكرامة والعدل. عشنا حياةً جديدة لم نختبر مثيلا لها من قبل.

أجبرنا رئيسًا حكم هذا البلد ل30 عامًا على التنحي، وهدمنا دولته وكسرنا داخليته وذهبنا بحبيب العادلي، الذي كان أصغر مخبر في منظومته يشعر بأن “جزمته” فوق أعناقنا؛ إلى السجن. حتى ولو انتهى المطاف إلى خروجهم جميعا بعد أربع سنوات.

 

أربع سنوات كما ذكرت في البداية ليست بالمدة القليلة. وصدقني لم يكن أي منا يتخيل في ليلة 24 أننا يمكن أن “نكدر” مبارك وحاشيته أربع ليالٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد