لا أشك أن الأم هي المدرسة الأولى في حياة الأطفال، وأن التعليم والتربية يبدآن منذ لحظات عمر الإنسان الأولى. ويبني الطفل معارفه الأولية من الأشياء حوله ويبني علاقاته الإنسانية من الترابط مع الأب والأم والأخوة. ولا شك أن بناء الكيان العاطفي والإنساني للأطفال هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الآباء والأمهات في كل العالم الآن.

وعلى عكس التعليم التقليدي في سن المدرسة الذي يحتاج إلى إمكانات بشرية ومادية عالية الجودة. فإن التعليم العاطفي والإنساني هو تعليم أسري ومنزلي، ولا يحتاج إلى أية إمكانات، إلا الإمكانات النفسية والمعرفية، وإلى اهتمام أسري متميز. كما تقول الحكمة: السعة في النفوس، وليس في الفلوس.

يعتقد الآباء والأمهات أن الأشياء المادية التي يمنحونها لأطفالهم على اختلاف قيمتها وهيئتها هي التي تهبهم الفرحة وتعطيهم السعادة. فمن قطعة الحلوى والشيكولاتة، مرورًا بالألعاب والدمى والسيارات الكهربائية، وصولا إلى الجوالات والأجهزة اللوحية، وانتهاء بالدرجات البخارية والسيارات، كل هذه الأشياء هي التي يفكر بها الآباء والأمهات على اختلاف مستواهم الفكري والاجتماعي والمالي ليمنحوها لأبنائهم لإسعادهم وإشعارهم بجمال الحياة وللبرهان على مكانتهم الغالية.

ومن هنا يحاول الآباء والأمهات الهروب والتنازل عن دورهم في حياة أطفالهم وأن يدفعوا لهم هذه الرشاوى الأبوية ليبتعدوا عنهم وينشغلوا بها. وللأسف الواقع يعلمنا أن هناك الكثير من الآباء والأمهات يعيشون في عوالم منعزلة ويحاولون قدر الإمكان الابتعاد عن أبنائهم أو إبعاد أبنائهم عنهم.

لقد أنتج هذا النهج أجيالا مرتبطة بالأشياء وليس لديها أي أفكار أو فلسفة في الحياة ولا تستطيع أن تدرك حقيقة عواطفها تجاه الأشخاص الأقرب إليها. لدينا الآن الكثير من المراهقين المنعزلين الانطوائيين وهم بلا شك نتاج هذا النموذج من التربية المادية الشيئية التي وجهت جل اهتمامهم وهم صغار إلى قيمة الأشياء فقط. إن الأمهات الذين يجارون بالشكوى المرة من انعزال بناتهن و انطوائهن هم لا شك أحد أسباب هذه المشكلة وأحد أهم عوامل تكريسها واستمرارها.

فى البداية يبني الأطفال علاقات قوية من الترابط الوجداني والنفسي مع آبائهم وأمهاتهم، تبنى هذه العلاقات في أوقات بسيطة وقصيرة من الاحتضان والحب والاهتمام في صور متعددة منها على سبيل المثال:

  • حوار عاطفي متكامل للسؤال عن أحواله وللاستماع لقصصه
  • الدعم العاطفي والاحتضان عندما يتأزم الطفل أو يغضب
  • التطمين والتهدئة عند الخوف أو البكاء وسؤال الطفل عن مشاعره والاهتمام بها
  • حكايات قبل النوم الحانية والهادئة والهادفة
  • المشي مع الطفل في الهواء الطلق.
  • أخد الأطفال إلى الأسواق الشعبية والتقليدية.
  • اللعب مع الأطفال في حمام السباحة
  • السؤال عن رأي الطفل في أمور البيت والحياة. وغيرها من الطرق والوسائل التي تحمل هدفا عاما من الاهتمام والمساعدة والمساندة والدعم

وللأسف استخدم الكثير من الآباء والأمهات بديلا سهلا ولكنه مدمر للطفل على سبيل المثال:

  • مقعد مريح أمام التلفزيون.
  • قنوات أغاني الأطفال المدمرة.
  • جهاز الجوال والجهاز اللوحي (التابلت) واللاب توب.
  • ترك الطفل يلعب وحيدا. أو ترك الأطفال منعزلين في غرفهم وسط أشيائهم.
  • مدن الملاهي ومطاعم الوجبات السريعة.
  • الرشوة والعمولة «اسكت وهديك، اهدأ وأجيب لك».

لقد تخفف الآباء والأمهات من لحظات الارتباط الوجداني والنفسي بينهم وبين أبنائهم عندما كانوا صغارا وآثروا ألا يشاركوهم أنشطتهم وأعمالهم ولا يسمحوا لهم بالتدخل في أعمال المنزل أو التدخل في عالمهم الخاص. لقد انعزل الآباء عندما كان أولادهم صغارا. فانعزل عنهم الأبناء عندما أصبحو كبارا.

إن بناء القيم الشعورية والروحية والنفسية لشخصية الأطفال ومساعداتهم على تكوين صورة ذهنية عن مستقبل مشرق وماذا يجب أن يكونوا عليه في الغد هو نتاج حياة مبنية على المعايشة والحوار والحياة والقصص المثيرة وحكايات الأبطال الخارقين والمواقف الجياشة العواطف والشخصيات المحورية التي تملأ حكايات الآباء للأبناء وقصص ما قبل النوم وغيرها من مواد الحوار المثير الجذاب للطفل.

إن الحقيقة المؤكدة أن البشر عموما يصبحون أقل شعورًا بالاكتفاء والسعادة عندما تتوفر لهم متع الحياة أكثر من ذي قبل. إن ارتفاع مستوى المعيشة والتعليم يؤدي إلى تزايد حالات الانتحار والأمراض النفسية.

مسلسلات تلفزيون الواقع للكبار فقط سلسلة «آباء وأمهات مدمرون»

حكايات آدم وسناء

«سناء» طبيبة شابة تشعر بالضجر من مضايقات زميلتها في العمل. يقترب منها آدم طفلها الصغير يحاول مداعباتها والابتسام لها. تنتبه سناء إلى آدم وتنظر إليه متجهمة الوجه. تحاول أن تبعده عنها برفق، لا يستجيب آدم ويكرر المحاولة. مع المحاولة الثالثة تدفعه سناء بقوة معتدلة حتى لا تؤذيه ولكنه لا يتوقف . بدا أنه يحاول جاهدا أن يداعبها. فجأة تصرخ في وجهه بقوة وغضب. ينزوي الطفل بعيدا عنها باكيا. لقد تكون لديه حاجز قوي الآن وسيفكر ويراجع نفسه مئات المرات قبل أن يقدم على ذلك ثانية.

هُدى وسها

«هدى» لديها طفلة طفلة جميلة اسمها «سها». تشبه والدتها وتحاول أن تكون بجوارها دائما وخصوصا أتناء تواجد هدى في المطبخ. سها طفلة شغوفة جدا تحب أعمال البيت وتحب المشاركة في ترتيب الأدوات والأغراض والملابس وجمع القمامة.

ولكنها تخلف وراءها بعض الأوانى والأدوات وقد توقع على الأرض بعض الأشياء أو تسكب المياه، كل هذه التبعات تجعل هدى تخاف من أن يتسبب نشاط «سها» وحركتها وفضولها في بعثرة الأشياء في البيت أو بجعله غير نظيف. لذا تفضل هدى أن تمنح سها الجميلة مقعدا مريحا أمام جهاز التلفاز. لتستمع إلى قناة طيور الجنة حيث الإيقاع والأطفال والأغاني الجميلة. تسكن الطفلة تدريجيا وتقل حركتها وتنفصل عمن حولها رويدا رويدا. تظل في مكانها لساعتين أو حتى تنام. تنصح هدى الأمهات بذلك قائلة «لا تعطيه هذه الفرصة انفردي بكافة أعمالك دعيه منزويا على الأريكة أو في أي ركن من أركان المنزل هذا سيفي بالغرض».

فتح مخك

يحتاج «علي» من أولاده «عمر وعامر» قضاء بعض الحاجيات أو شراء بعض الأغراض كثيرًا، يمتنع الأطفال عن التعاون مع والدهم. لكن علي لديه طريقة سحرية لتغيير موقف عمر وعامر. إن دفع بعض لنقود كفيل بذلك. إنهم حقا يستجيبون من أجل المال.

الفيلسوف الصغير

«أحمد» طفل فضولي جدا. يركز جل اهتمامه لأحاديث والديه ويطرق مليا ثم ينطق بمقترح أو رأي، ينبئ حديثه المفاجئ إلى اهتمام شديد وتفكير ورأي معتبر وفضول واهتمام.

كما أن أحمد يجب الحوار والنقاش وإبداء الرأي . يسمع محمود والده جمله القصيرة المركزة ثم يصدر صوتا مميزا «اششششششش». يتدرج الصوت ارتفاعا وتهديدا حسب إصرار أحمد على الكلام ودرجة فضوله. يسكت أحمد ليتجنب سيل الكلمات الذي تتطوع به والدته فغالبا ما تردد على مسامعه «أنت لا تفهم شيئا»، «اسكت»، «أنت صغير»، «لا تتدخل في حديث الكبار».

سيدة المجتمع نعم أم لا

المهندسة إيمان مهندسة متميزة في عملها وفي علاقاتها أيضا، ولديها قائمة من الألقاب العلمية والحياتية المتعددة: فهي مهندسة ومدربة وسيدة مجتمع وسيدة أعمال وعضو مجلس إدارة كل من النادي وجمعية حقوق المرأة، وغيرها من الأنشطة الكثيرة التي تشغل يومها منذ الصباح حتى المساء. تهتم جيدا بملابسها وأعمالها وبصفحتها على موقع التواصل الاجتماعي. تعشق أيام الدراسة كثيرا حين تذهب بناتها «هبة» و «هدير» إلى المدرسة. إنها فرصتها للتخلص من انشغالها بالبنات. بالفعل لا يوجد مكان آمن مثل المدرسة لتقضي فيه بناتها جل وقتهم. وحينما يعودون يكونوا متعبين ومنهكين، إنه وقت الغذاء والراحة. مزيد من الوقت الثمين يضاف ليوم المهندسة إيمان.

غرام وانتقام

«عنيدة» ربة منزل ماهرة من أسرة ريفية محترمة وهي طباخة محترفة وصانعة حلويات من طراز خاص. تصاب بالغيظ من زوجها «شديد» فهو عصبي بعض الشيء. تحدث بينهم خلافات متكررة. مع أن السيدة عنيدة تقوم بواجبها نحو بيتها وأولادها. فهي تطهو لهم أشهى الأطعمة وأجود الحلويات. كما أن بيتها في غاية النظافة والجمال. وهي تجد تسليتها في حديثها لنفسها ولأطفالها الصغار هي تجيد نوعًا من الحديث الشبيه بالأغاني الحزينة. «أنا عارفة هو ليه قرفنا في عيشتنا وكشر على طول ومنكد علينا».

تأخذ بيد طفلها الصغير لتغسلها له وتتمتم «أوف أنا عارفة إيه البخل ده»، «ولا رايح فين رايح الشغل راجع منين راجع من الشغل أنا عافة هو بيشتغل في إيه»! ولا تكاد تنقضي نصف ساعة حتى تكون قد نعتت السيد «شديد» زوجها بقواميس من الصفات السيئة تلقي بها على مسامع أبنائها الصغار وتصير هذه الصفات حقائق لديهم مع مرور الوقت.

الآن لدينا ٦ حلقات من أكثر مسلسلات تلفزيون الواقع رواجا في بيوتنا جميعا أو بيوت من نعرف ومع أنها للكبار فقط إلا أن جل مشاهديها هم من الأطفال و الأبناء الصغار، هذه المسلسلات تشمل عددًا من الممارسات الخطيرة المدمرة للاطفال يمكن تلخيصها كالآتي:

١ – الصراخ الدائم.

٢ – عدم مشاركته في نشاطاته أو إعطائه الفرصة للاشتراك في أعمال المنزل. ومنحه ملاذا للانعزال والانطواء.

٣ – عدم إعطائه الفرصة للتعبير عن رأيه وعدم الاهتمام بالاستماع وجهة نظره.

٤ – الانشغال التام وعدم وضع الطفل على جدول أولويات الآباء.

٥ – الرشوة والعمولة.

٦ – هدم القدوة في عقل الطفل عن طريق نعت الأب أو الأم بأوصاف سيئة.

٦ – هدم القدوة في عقل الطفل عن طريق نعت الأب أو الأم بأوصاف سيئة.

الآن حان دورك أيها القارئ العزيز لتوقف هذه المسلسلات الخطيرة والمدمرة على مستقبل أبنائك، ولتتبين الطريق الصحيح. وتنجو بأطفلك وبنفسك، وتنجح في تربية أبنائك التربية السليمة وتبحر بهم إلى بر الأمان في بحر الحياة الهائج المتلاطم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد