الإعلام أداة وسلاح العالم الأقوى، فإذا أردت أن ترسخ فكرة ما في أدمغة الشعوب  فعليك بالإعلام، هذا ليس تحريفًا أو استهزاء، لكنه أمر واقع.

التحول

منذ أن وجد الإنسان طريقته في التبضع دون المقايضة، أي منذ وجود النقود، وأصبح الإنسان آلة أو ربما عبدًا للوقت والمال، يقوم من نومه مسرعًا نحو كسب المال ويعود ليجد أمامه الكثير من الأخبار التي تنقلها إليه – دون عناء منه – شاشات التلفاز والحاسوب والهواتف الجوالة.

يتداول العالم الأخبار والآراء، ويتحمس كل منا لفكرة ما وكأنها فكرته التي أعدها، والتي هي ربما فكرة إعلامي ما دفعها إلى رأس الواحد منا دفعًا؛ فشكَّلَهُ وكوَّنَهُ وجعلَهُ آلة يتحدث بلسانه ويتجادل بآرائه.

خلف الشاشات يجلس المعدون وبين أيديهم أفكارهم التي بالتأكيد منها ما يبدو صحيحًا ومنها العكس، لكن هل سألت نفسك كمشاهد مَن هؤلاء ولماذا عند ميلاد فكرة ما أو ظهور مثالٍ ما تجده وقد احتل جميع المحطات الفضائية، هل أنزل الله الوحي على الجميع دفعة واحدة، وهل خلقنا جميعًا برأي واحد، والأدهى من ذلك أنهم يسمون أحيانًا برامجهم بالرأي الآخر، ويُحضِرون إليك اثنين أو ثلاثة وكأن العالم بأجمعه لا يمتلك سوى رأيين أو ثلاثة على الأكثر، بل يتبارى الإعلامي في فرض فكرته التي أُعدَت له مُسبقًا، ويقدمها إليك بشكل ديمقراطي؛ فتحفظها عن ظهر قلب.

رحلة الطب

قبل قرون نشأ الطب ومر بمراحل كثيرة من التطور، والتطور أدى بكل تأكيد للمحافظة على صحة الإنسان وعلاجه من الأمراض التي كانت سابقًا بلا دواء، وهذا التطور لم يأت من باب الصدفة، ولم يأت بالزهد والتقشف –  وهما صفتان أحبهما بالمناسبة – لكن لا ينبغي لهما أن يوجدا في نفوس العلماء والأطباء، هذا التطور الذي جعل الدول العظمى والمتقدمة تتسابق وتتباهى وربما تتقاتل، ووضعت ميزانيات ضخمة للبحث العلمي والصحة والعلوم.

بطل أم ضحية؟

منذ شهور دخل إلى بيوت المصريين مثال جديد ورمز يبدو لأول وهلة أنه نبي أو
ملائكة، يجب على المؤمن الإيمان به واتباعه والحذي بحذوه، هذا المثال ربما
يكون صالحًا فأنا لا أقصد هنا التقليل منه مطلقًا لكن أردت فقط أن يستقيم
الأمر.

صَدَّرَ لنا الإعلام (المصري) مثالًا لا أعلم وأنا طبيب شاب لا أهوى الطب، هل يجب عليَّ أن أتبع هذا المثال أم هل يصدرونه هكذا حتى تصبح الفكرة أن الطبيب ما هو إلا متصوف لا يجب عليه أن يسعى نحو طلب الرزق (المال الحلال)، ولا نحو التطور فقط عليه أن يوهب نفسه وعلمه للفقراء، حتى يصبح هو نفسه فقيرًا متسخ الثياب، بعيدًا عن الطب الحديث المتقدم بكل ما يحمل من اختلافات وطفرات.

دكتور مشالي ليس مجرمًا بالطبع – هذا رأيي على الأقل – بل ربما يكون واحدًا ممن خلقهم الله لتخفيف معاناة الفقراء، ولكنه ليس نبيًّا ولا مثالًا يُحتَذَى به في الطب، ربما هو مثالٌ للإنسان البسيط النقي الزاهد، وربما هو ضحية ومثال لما وصل إليه حال الكثيرين من الأطباء وأصحاب العلم في أوطاننا، ولا ألوم بالطبع من يحبه، لأنه ربما يستحق الحب، بل الشفقة أحيانًا.

ماذا لو؟

أتخيل لو أن الإعلام نجح في خطته وأصبح كل الأطباء مشالي، غرفة صغيرة تفتقر إلى أبسط بروتوكولات التعقيم والنظافة، وأوراق بالية ورجل فقير مسكين، ظن أن زُهده وحبه للفقراء نجاحًا عظيمًا؛ بالطبع سنهدم بأيدينا كل ما أسسه علماء الطب منذ قرون ونخلق أطباء عديمي الطموح والمعرفة.

لا أمانع أن يقدم الطبيب الخير، وأرى أن الكثير من الأطباء يبالغون في المقابل المادي، كحال جميع المهن، ولكن رفقًا بالعقول، فأمام الشاشات هناك الكثير من الجُهلاء وأصحاب العاطفة، من يشاهدون ويستمعون إلى الإعلامي وكأنه نبي وكأن كلامه منزل من السماء، ولو أنهم فكروا لثوانٍ قليلة لتساءَلوا بينهم عن هؤلاء الذين يقدمون النصائح ويدَّعون الزُهد لماذا لم يزهد أحدهم، وكم يتقاضى من مال نظير ما يقوله، وكأن ما يقوله أصبح عند الإنسان أهم من صحته وعافيته.

تصحيح مسار

يجب أن نخلق أجيالًا تتعلم الرأي المُرَكَب، تتعلم أن دكتور مشالي إنسان نحبه ونقدره لحسن أخلاقه، وجمال مشاعره، لكن عند التحدث عن الطب والعلم فلا بد أن نعي ما نقول ونترك الأمر لمن اجتهدوا وأنفقوا المال الكثير نظير كسب العلم والتطور، وأن الطب وجميع المهن لها الجانب الإنساني الذي لا بد ألا نغفله، وأيضًا الجانب المادي الذي هو مصدر رزقك وطاقتك التي تدفعك للتعلم والتطور، ربما الطبيب أقرب الناس لمعاناة الإنسان، فيتطلب منه الأمر إنسانية أكثر لكن ليس لزامًا عليه أن يبقى فقيرًا، وكذلك ليس من الأخلاق أن ينتقد الجميع الطبيب مشالي ، فأنا هنا لا أهاجمه، بل أُنكِرُ محاولات البعض بأن يجعلوا منه مثالًا يُحتَذَى به، ليبقوا هم فوق عروشهم يجمعون المال والشهرة، وتبقى أنت المثال الجميل الزاهد، وربما أنت في الأصل مجبر على ذلك.

كان من الممكن إلقاء الضوء على إنسانيته، ولكن دون تحميله ما لا يستطيع حمله.

ولنسأل أي إعلامي يَدَّعي الزُهد و حُب الفقراء الزاهدين إلى أين ستذهب عند مَرضِك؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد